الحوار السياسي .... وحسابات الظل / محمد ولد عمار

في اللحظة السياسية التي تعيشها موريتانيا اليوم، لا يبدو الحديث عن الحوار الوطني المرتقب مجرد تمرين لغوي في الخطاب الرسمي أو مطلبا تقليديا ترفعه المعارضة، بل أضحى عنوانا مركزيا لاختبار جدية الطبقة السياسية بأطيافها كافة. غير أن ما يجري في العمق يكشف عن صراع خفي يتجاوز الشعارات المعلنة، صراع بين “وسط” يحسب على أذرع النظام، ويمين يتكئ على المرجعية المحافظة، ويسار يرفع مطالب العدالة والقطيعة مع اختلالات الماضي، في ظل تآكل تدريجي للقواعد الجوهرية التي كانت تضبط إيقاع كل تيار.
منذ الحديث المتكرر عن تنظيم حوار شامل، ساد خطاب رسمي يؤكد الانفتاح والاستعداد لمناقشة القضايا الكبرى: الإصلاح السياسي، الحكامة، الوحدة الوطنية، العدالة الاجتماعية، والملفات الحقوقية العالقة. غير أن الانتقال من مستوى النية إلى مستوى الفعل ظل بطيئا، متدرجا إلى حد أثار تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام تأني محسوب لضمان توافق واسع، أم أمام إدارة زمنية ؟
الوسط المرتبط بدوائر القرار، وفي مقدمتها الأغلبية الحاكمة بقيادة حزب الإنصاف، يتحرك ضمن معادلة دقيقة: الحفاظ على الاستقرار السياسي الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة، وتجنب أي انزلاق قد يعيد البلاد إلى أجواء الاستقطاب الحاد. هذا الحرص مفهوم في سياق إقليمي مضطرب، لكن الإشكال يكمن حين يتحول هاجس الاستقرار إلى مبرر لتأجيل الحسم في ملفات بنيوية. وهنا يصبح “التأني” أداة لإدارة المخاطر أكثر منه أداة لإنتاج حلول.
في المقابل، تعيش قوى المعارضة ، حالة إعادة تموضع. فبعضها يطالب بحوار ذي ضمانات واضحة وسقف زمني محدد، ويربط مشاركته بإجراءات تمهيدية تعزز الثقة، بينما يميل بعضها الآخر إلى خطاب أكثر تشددا، يحذر من “حوارات شكلية” سبق أن عرفتها البلاد دون أن تفضي إلى تحولات عميقة. وبين هذا وذاك، يبرز تباين في تقدير اللحظة: هل هي فرصة تاريخية لفرض إصلاحات تدريجية، أم مناورة سياسية لاحتواء الضغط الاجتماعي؟
اليمين المحافظ، الذي ظل يرفع راية المرجعية والقيم، يجد نفسه اليوم أمام معادلة مركبة. فمن جهة، لا يستطيع أن يبدو معرقلا لحوار يفترض أن يخدم الصالح العام، ومن جهة أخرى، يخشى أن يستخدم الحوار لإعادة صياغة توازنات تمس بثوابته أو تقلص من حضوره. هذا التردد ينعكس في خطاب مزدوج: دعم مبدئي للحوار، مقرون بتحفظات واسعة على أجندته وآلياته.
أما التيارات ذات الخلفية اليسارية أو الحقوقية، فتضع في صدارة أولوياتها ملفات العدالة الاجتماعية، محاربة الفساد، معالجة آثار الاسترقاق والغبن الاجتماعي، وتوسيع الحريات. لكنها تواجه تحديا داخليًا يتمثل في مدى استعدادها للانخراط في تسويات مرحلية، دون أن يفهم ذلك كتنازل عن جوهر خطابها. وهنا يبرز السؤال ؛ إلى أي حد يمكن الجمع بين الخطاب الراديكالي ومتطلبات التفاوض السياسي؟
في عمق هذه التفاعلات، يلوح عنصر حاسم: الثقة. فالتجارب السابقة للحوار في موريتانيا تركت انطباعا متباينا. بعضها أفضى إلى إصلاحات دستورية وانتخابية، وبعضها الآخر انتهى دون تنفيذ فعلي لمخرجاته. لذلك، فإن أي تأخر في تحديد الإطار المرجعي، أو غموض في آليات التنفيذ، يقرأ سريعا بوصفه مؤشرا على تعطيل غير معلن.
التعطيل المتعمد، إن صح التعبير، لا يظهر في صورة رفض صريح للحوار، بل في تفاصيل إجرائية: نقاش مطول حول التمثيل، جدل حول الأولويات، اختلاف بشأن رئاسة الجلسات أو ضمانات التنفيذ. ومع مرور الوقت، يفقد الشارع اهتمامه، ويتحول الحوار من مطلب مجتمعي واسع إلى شأن نخبوي ضيق.
غير أن أخطر ما في هذا المسار هو تآكل المبادئ. فالوسط يفقد معناه إذا لم يكن جسرا حقيقيًا بين السلطة والمجتمع، واليمين يفقد صدقيته إذا تحولت ثوابته إلى أوراق تفاوض ظرفية، واليسار يتراجع تأثيره إذا أصبح خطابه مجرد أداة ضغط بلا رؤية قابلة للتنفيذ. وحين تختلط المواقع وتتداخل الحسابات، يصبح الصراع على التموضع بديلا عن الصراع على البرامج.
الوضعية الموريتانية اليوم، بما تحمله من استقرار مع تحديات اقتصادية واجتماعية ، تحتاج إلى حوار يتجاوز منطق إدارة الوقت إلى منطق صناعة التحول. فالتأني المشروع هو الذي يفضي إلى وضوح في الأهداف، وتحديد في الآجال، وضمانات لتنفيذ المخرجات. أما التأني الذي لا يفضي إلا إلى مزيد من الغموض، فإنه يغذي الشك ويضعف الثقة.
إن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بانعقاد الحوار، بل بقدرته على إنتاج تعاقد سياسي وأخلاقي جديد بين الدولة والمجتمع. تعاقد يعيد الاعتبار للمبادئ، ويرسخ قواعد اللعبة الديمقراطية، ويخرج الصراع من دائرة الظل إلى فضاء التنافس المشروع. عندها فقط يمكن القول إن موريتانيا لم تُحسن إدارة الزمن السياسي فحسب، بل أحسنت استثماره في بناء أفق وطني جامع.

طابت اوقاتكم و رمضان كريم