الخطاب الاعلامي .... بين النقد و التشفي / محمد ولد عمار

يشهد الخطاب الإعلامي في موريتانيا تحولات متسارعة، تعكس بدورها حالة الحراك السياسي والحقوقي والمجتمعي التي تعيشها البلاد منذ سنوات. فمنذ انفتاح الفضاء العمومي وتعدد المنابر الخاصة، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح فاعلا مؤثرا في تشكيل الرأي العام، وصناعة السرديات، وإعادة ترتيب موازين الرمزية داخل المجتمع. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى أين يتجه هذا الخطاب؟ وهل يسير نحو ترسيخ ثقافة الحوار والتهذيب، أم ينزلق أكثر نحو التعنيف الرمزي والاصطفاف الحاد؟
في السياق السياسي، يتأرجح الخطاب بين المهنية والانخراط الدعائي. فبعض المنابر تحاول الحفاظ على مسافة نقدية من السلطة والمعارضة، بينما تميل أخرى إلى الاصطفاف الصريح، فتتحول اللغة من أداة تحليل إلى وسيلة تعبئة. ومع اشتداد الاستقطاب، تصبح المفردات أكثر حدة، ويحل التوصيف الأخلاقي محل التحليل الموضوعي، فتختزل القضايا العامة في ثنائيات مبسطة: خيانة/وطنية، إصلاح/فساد، شرعية/انقلاب على الإرادة. وهنا يفقد الإعلام وظيفته التنويرية، ويتحول إلى ساحة صراع رمزي يعمّق الانقسام بدل أن يفسر التعقيد.
أما في الحراك الحقوقي، خاصة ما يتصل بملفات حساسة كالإرث التاريخي والتمييز الاجتماعي، فإن الخطاب يتسم أحيانا بشحنة عاطفية عالية. حضور حركات مثل حركة إيرا في المشهد الحقوقي خلق حراكا قويا، لكنه في الوقت نفسه دفع بعض المنابر إلى تبني لغة تصادمية، سواء في الدفاع أو في الهجوم. فتتحول المطالب الحقوقية إلى مادة للاستقطاب، ويستبدل النقاش القانوني والاجتماعي بتراشق الاتهامات. وفي المقابل، تلجأ بعض الأصوات المحافظة إلى خطاب تخويني يفرغ المطالب من مضمونها، ويضعها في إطار المؤامرة أو الاستهداف الثقافي. بين هذا وذاك، يضيع جوهر القضية: العدالة والكرامة والمساواة أمام القانون.
في الفضاء المجتمعي، ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح كل فرد منصة إعلامية محتملة. هذا الاتساع أتاح حرية غير مسبوقة، لكنه أضعف أيضًا معايير التحقق والانضباط المهني. انتشرت لغة التجريح والسخرية، وغلب الطابع الشخصي على النقاش العام. ولم تعد الحجة هي الفيصل، بل القدرة على إثارة التفاعل وحصد الإعجابات. وهنا يتراجع التهذيب بوصفه قيمة ثقافية، ليحل محله منطق “الترند” والصدام.
غير أن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فثمة صحفيون وكتاب ومدونون يدركون خطورة الانزلاق نحو التعنيف الرمزي، ويحاولون ترسيخ خطاب رصين، يميز بين نقد الفكرة والطعن في صاحبها، وبين مساءلة السياسات والتشهير بالأشخاص. هذا الاتجاه، وإن بدا أقل صخبا، إلا أنه يمثل أفقا واعدا لإعلام مهني مسؤول.
إن الخطاب الإعلامي في موريتانيا يقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن يكرس منطق المواجهة الدائمة، فيتحول إلى وقود للاحتقان، وإما أن يرتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية، فيصبح فضاءً للحوار والتفكير الجماعي. والرهان هنا لا يتعلق بالإعلاميين وحدهم، بل يشمل الفاعلين السياسيين والحقوقيين والمجتمعيين، الذين عليهم أن يدركوا أن اللغة ليست مجرد وسيلة، بل هي ممارسة سلطة. فكل مفردة قد تبني جسرا أو تهدمه، قد تفتح أفقا أو تغلقه.
إن الحاجة اليوم ليست إلى خطاب مهذب شكليا يخفي التوتر، ولا إلى خطاب عنيف يختزل الواقع، بل إلى خطاب صريح ومسؤول، يجمع بين الجرأة في الطرح والانضباط في التعبير. خطاب يعترف بالتعدد، ويؤمن بأن الاختلاف لا يبرر الإقصاء، وأن النقد لا يستلزم الإهانة. عندها فقط يمكن للإعلام أن يكون رافعة للإصلاح، لا أداة لتعميق الجراح.

رمضان كريم