مهرجان لعصابه:حين يتوقف الحدث... ويستمر الانتصار / محمد ولد عمار

لم يعد ما جرى في مهرجان لعصابه للثقافة والتنمية مجرد واقعة عابرة يمكن تجاوزها بعبارات مخففة، بل هو حدث يفرض قراءة متأنية تضع في الاعتبار حجم الجهد المبذول، وتعقيد اللحظة التي ولد فيها قرار التأجيل. ففي الوقت الذي كانت فيه مدينة كيفه قد استقبلت الغالبية الساحقة من المشاركين والفاعلين، وبلغت التحضيرات ذروتها، جاء القرار ليضع الجميع أمام اختبار غير متوقع.
وسط هذا المشهد، تبرز لجنة التنظيم بوصفها الطرف الذي كان الأقرب إلى تحويل المهرجان إلى نجاح مكتمل الأركان. فقد عملت، بصمت وإصرار، على مدى أسابيع طويلة، بعيدا عن أي تخندق أو حسابات ضيقة، واضعة نصب عينيها إنجاح حدث ثقافي يليق بولاية لعصابه ومكانتها. لقد كانت، بكل المقاييس، الرابح الأكبر لو أن المهرجان أقيم في موعده، نظرا لما بذلته من جهود مضنية على المستويين اللوجستي والتنظيمي، وما راكمته من ثقة وتعبئة على الأرض.
إن ما تحقق ميدانيا—من حضور كثيف، وتفاعل واسع، واستعداد شبه مكتمل—لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عمل جماعي قادته اللجنة بروح منفتحة، سعت من خلالها إلى جمع مختلف الفاعلين دون إقصاء، وإلى بناء لحظة ثقافية جامعة تتجاوز الاصطفافات الضيقة. وهو ما يمنح هذه التجربة، رغم تعثرها الظرفي، قيمة مضافة ينبغي الحفاظ عليها والبناء عليها.
وفي سياق متصل، يبرز تحد آخر يتمثل في بروز فاعلين جدد في المشهد الثقافي بولاية لعصابه، وهو معطى إيجابي في جوهره، لكنه يتطلب قدرا من التأطير وضبط الإيقاع. فالحيوية التي يضخها هؤلاء الفاعلون تحتاج إلى توجيه يضمن انسجامها مع الجهود القائمة، ويحول دون تحولها إلى عامل إرباك أو تنافس غير منظم. إن كبح جماح هذا الزخم، دون إخماده، يمثل خطوة ضرورية نحو ترسيخ فعل ثقافي متوازن.
أما على مستوى الأثر، فإن التأجيل ترك بلا شك حالة من خيبة الانتظار، وألقى بظلاله على فرص اقتصادية وثقافية كانت معقودة على هذا الحدث. غير أن ما يخفف من وطأة ذلك هو إدراك حجم العمل الذي أُنجز، والذي يمكن أن يشكل قاعدة صلبة لأي موعد قادم، إذا ما أُحسن استثماره.
إن الرهان اليوم لا يقتصر على تحديد تاريخ جديد، بل يتجاوز ذلك إلى تثمين ما قامت به لجنة التنظيم، وتعزيز آليات التنسيق، وضمان انسجام القرار مع الواقع الميداني. فالثقافة، في نهاية المطاف، هي تراكم للجهود الصادقة، وليست رهينة لحظة واحدة.
في المحصلة، يمكن القول إن لجنة التنظيم خرجت من هذه التجربة برصيد معنوي وميداني معتبر، يؤهلها لتكون حجر الزاوية في أي استحقاق ثقافي قادم. وما حدث، بدل أن يقرأ كتعثر نهائي، يمكن أن يتحول إلى محطة تأسيسية تعزز النضج، وتفتح أفقا أوسع لفعل ثقافي أكثر تماسكا واستدامة.

طابت أوقاتكم

والله من وراء القصد