تُعدّ الثروة الحيوانية في موريتانيا أحد الأعمدة الجوهرية للاقتصاد الوطني، حيث تتجاوز وظيفتها البعد الإنتاجي لتلامس عمق البنية الاجتماعية والثقافية، خاصة في الأوساط الريفية والبدوية. فهي تمثل مصدر عيش رئيسي لشريحة واسعة من السكان، وتسهم بشكل معتبر في تحقيق الأمن الغذائي من خلال توفير اللحوم والألبان، فضلًا عن دورها في تنشيط المبادلات التجارية الداخلية والخارجية. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن القطيع الوطني يضم عشرات الملايين من رؤوس الماشية، ما يعكس الإمكانات الكبيرة التي يختزنها هذا القطاع، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم التحديات التي تواجهه في ظل بيئة طبيعية واقتصادية معقدة.
فهذا القطاع، رغم أهميته، يظل رهين عدد من الإكراهات البنيوية التي تحد من مردوديته وتضعف قدرته على الصمود. وتأتي التغيرات المناخية في مقدمة هذه التحديات، حيث تتعرض موريتانيا لموجات جفاف متكررة تؤثر سلبًا على المراعي والموارد المائية، وهو ما ينعكس مباشرة على صحة القطيع وإنتاجيته. كما أن ضعف البنية التحتية الرعوية، من حيث ندرة نقاط المياه وغياب التنظيم الفعّال للمسارات الرعوية، يزيد من تعقيد وضعية المنمين ويؤدي في كثير من الأحيان إلى احتكاكات مع المزارعين. وإلى جانب ذلك، تعاني المنظومة من محدودية الخدمات البيطرية، وضعف سلاسل القيمة المرتبطة بالإنتاج الحيواني، خاصة في مجالات التحويل والتسويق، مما يحرم الاقتصاد الوطني من قيمة مضافة كان من الممكن تحقيقها.
في هذا السياق، جاء مشروع دعم النظام الرعوي في الساحل (PRAPS-2) كاستجابة تنموية إقليمية تهدف إلى معالجة هذه الاختلالات وتعزيز صمود المجتمعات الرعوية. ويُعد هذا المشروع امتدادًا لمرحلة أولى، وقد صُمم بمقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية، حيث يسعى إلى تحسين إدارة الموارد الطبيعية، وتعزيز الخدمات البيطرية، وتسهيل ولوج المنمين إلى الأسواق، إضافة إلى دعم سلاسل القيمة وتقوية آليات الوقاية من النزاعات.
وقد تجسدت تدخلات المشروع على أرض الواقع من خلال جملة من الإجراءات الملموسة، شملت إنشاء نقاط مياه جديدة وإعادة تأهيل المراعي، وهو ما ساهم في تحسين ظروف الرعي وتقليل الضغط على الموارد الطبيعية. كما عمل المشروع على تنظيم المسارات الرعوية بما يحد من النزاعات ويعزز التعايش بين مختلف الفاعلين. وفي جانب الصحة الحيوانية، تم تنفيذ حملات تلقيح واسعة النطاق، وتوفير خدمات بيطرية متنقلة، مما انعكس إيجابًا على صحة القطيع وقلل من نسب النفوق. ولم يغفل المشروع جانب التسويق، حيث دعم إنشاء أسواق حديثة للماشية، ساعدت في تنظيم عمليات البيع وتحسين الأسعار لصالح المنمين، إلى جانب تمويل مشاريع صغيرة تهدف إلى تثمين المنتجات الحيوانية، خاصة في مجال الألبان واللحوم.
وقد أسهمت هذه التدخلات في تحقيق نتائج ملموسة، تمثلت في تحسين الإنتاجية الحيوانية، ورفع مستوى دخل المنمين، وتعزيز اندماجهم في الأسواق، فضلًا عن تقليص الهشاشة المرتبطة بالتقلبات المناخية. كما ساهم المشروع في تعزيز الاستقرار الاجتماعي في المناطق الرعوية من خلال الحد من النزاعات وتحسين شروط العيش. ومع ذلك، فإن هذه المكاسب لا تخفي استمرار بعض التحديات، خاصة ما يتعلق بمحدودية التغطية الجغرافية للمشروع مقارنة باتساع البلاد، وكذا إشكالية استدامة بعض التدخلات بعد انتهاء التمويل، إضافة إلى الحاجة الملحة لتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بالثروة الحيوانية.
إن مستقبل هذا القطاع في موريتانيا يظل رهين القدرة على الانتقال من نمط الرعي التقليدي إلى نموذج أكثر حداثة وفعالية، قائم على الاستثمار في البنية التحتية، وتعزيز الخدمات البيطرية، وتطوير سلاسل القيمة، مع إدماج التقنيات الحديثة في التسيير والتتبع. كما أن تثمين المنتجات الحيوانية وفتح آفاق جديدة للتصدير من شأنه أن يحول هذا القطاع إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية. وفي هذا الإطار، يمثل مشروع PRAPS-2 خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنه يظل بحاجة إلى مواكبة بإصلاحات هيكلية وسياسات وطنية طموحة تضمن استدامة المكتسبات وتعزز مكانة الثروة الحيوانية كخيار استراتيجي لمستقبل موريتانيا.
الثروة الحيوانية في موريتانيا: بين تحديات الواقع ورهانات النهوض في ظل مشروع PRAPS-2/محمد ولد عمار

