في سياق إقليمي بالغ التعقيد، تتقاطع فيه رهانات الأمن مع تنافس القوى الدولية، تأتي زيارة الدولة التي يقوم بها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لتؤكد موقع موريتانيا كفاعل متزن وهادئ في معادلات الساحل الإفريقي. فبعيدا عن الحسابات الظرفية لبعض القوى الدولية، ومنها فرنسا التي كثيرا ما تتهم بإدارة أزماتها في الساحل بمنطق “اللعب في الوقت الضائع”، تبرز موريتانيا بنهج دبلوماسي مختلف يقوم على الدقة في الموقف، وحسن توقيت التحرك.
تعد منطقة الساحل الإفريقي فضاء جيوسياسي هش، يجمع بين الامتداد الجغرافي القاسي والتحديات البنيوية المرتبطة بالفقر، وضعف البنى التحتية، وتنامي الجماعات المسلحة. كما أنها تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى ساحة تنافس دولي بين قوى تقليدية وأخرى صاعدة، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، ما جعلها مسرحا لتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية.
في هذا السياق، تكتسب موريتانيا أهمية خاصة، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط شمال إفريقيا بعمقها الساحلي، بل أيضا بسبب تجربتها الأمنية التي نجحت نسبيا في تحييد التهديدات، مقارنة بدول الجوار. هذا الاستقرار النسبي لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مقاربة شاملة تمزج بين العمل الأمني الصارم، والانفتاح التنموي، وتوظيف البعد الاجتماعي والديني في معالجة جذور التطرف.
من زاوية الجغرافيا الاقتصادية، تمثل موريتانيا بوابة واعدة للاستثمار في قطاعات الثروة الحيوانية، والصيد البحري، والمعادن، فضلا عن موقعها الاستراتيجي على الواجهة الأطلسية. كما أن انخراطها في مشاريع إقليمية، خاصة في مجال دعم الأنظمة الرعوية، يعزز من دورها كحلقة وصل بين الاقتصاد المحلي والأسواق الإقليمية. وهنا تتقاطع الأبعاد التنموية مع الاعتبارات السياسية، حيث تصبح التنمية أداة للاستقرار، وليست مجرد هدف اقتصادي.
أما من منظور “الجغرافيا السياحية” للساحل، فرغم الصورة النمطية المرتبطة بعدم الاستقرار، فإن المنطقة تزخر بإمكانات سياحية وثقافية هائلة، من الصحارى الممتدة إلى التراث الثقافي العابر للحدود. ويمكن لموريتانيا، بما تمتلكه من مدن تاريخية مثل شنقيط ووادان، أن تلعب دورا في إعادة تقديم الساحل كفضاء للفرص، لا كمجرد بؤرة أزمات.
زيارة الدولة الحالية تندرج ضمن هذا الفهم المتكامل لدور موريتانيا. فهي ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل رسالة سياسية تؤكد أن نواكشوط قادرة على التحرك بهدوء ولكن بفعالية، وأنها تملك أوراقا متعددة للتأثير في توازنات المنطقة. فالدبلوماسية الموريتانية، التي تتسم بالبراغماتية وتجنب الاصطفافات الحادة، تمنحها هامش مناورة أوسع في التعامل مع مختلف الشركاء الدوليين.
غير أن الرهان الحقيقي يظل في القدرة على تحويل هذا الزخم الدبلوماسي إلى مكاسب ملموسة، سواء على مستوى جذب الاستثمارات، أو دعم الاستقرار الإقليمي، أو تعزيز التكامل الاقتصادي داخل الساحل. كما أن التحدي يكمن في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق في ظل بيئة دولية متقلبة، تتغير فيها التحالفات بسرعة.
في المحصلة، تبدو موريتانيا اليوم كـ“ورقة رابحة” محتملة في معادلة الساحل الإفريقي، ليس لأنها تمتلك القوة الصلبة الأكبر، بل لأنها تحسن توظيف ما تملكه من عناصر القوة الناعمة والواقعية السياسية. وزيارة الدولة التي يقودها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تعكس هذا التوجه وهذا ما أشار إليه الرئيس الفرنسي في الندوة الصحفية ، وتفتح آفاقا جديدة أمام دور موريتانيا كفاعل محوري في إعادة تشكيل توازنات المنطقة، سياسيا واقتصاديا.

