بين ردهات القصرالرئاسي وأزقة الأحياء الشعبية.
تشتعل صفحات التواصل الاجتماعي هذه الأيام بلوحة إجتماعية بالغة الدلالة من عمق هذا المجتمع إحداهما في قمة الهرم الاجتماعي والسياسي والأخرى من صميم المعاناة اليومية. ورغم تباين السياق إلا أن الخيط الناظم بينهما هو الموقف الذي أعاد صياغة مفهوم القوة والوعي عند المرأة الموريتانية.
في زيارة رئيس الجمهورية الي فرنسا السيدة الأولى مريم منت الداه تمتنع عن مصافحة الرئيس الفرنسي وهنا لا نتحدث عن بروتوكول دبلوماسي فحسب بل عن إعلان سيادي للهوية والوطن.
إن الامتناع عن المصافحة بمقتضى دينا وأعرفنا الإجتماعية كان رسالة ناعمة مفادها أن الانفتاح على الآخر لا يعني الذوبان فيه وأن الإحترام المتبادل يبدأ من احترام الخصوصية الدينية والثقافية للبلد.
لقد جسدت السيدة الأولى في تلك اللحظة صورة المرأة المؤسسة التي تحمل إرث المحظرة وقيم العفاف الموريتاني إلى المحافل الدولية مبرهنة على أن الحداثة والمكانة الدبلوماسية لا تتصادمان مع التمسك بالجذور بل يستمدان الهيبة والوقار منها.
وفي الركن القصي من المعاناة الحياتية وبنفس القوة في الجوهرتطل علينا تلك الفتاة الموريتانية البسيطة عبر صفحات التواصل الاجتماعي وهي تقف سداً منيعا أمام رجال الأمن حماية لأخيها من ضربات رجال الأمن...
هذا المشهد ليس مجرد عاطفة أخوية عابرة بل هو تجسيد حي لمفهوم المرأة السند التي لا تتردد في مواجهة المخاطر حين تستشعر الظلم أو الخطر يحيط ببيتها وذويها.
إن وقوفها في وجه الهدم والاحتجاز هو صرخة احتجاج صامتة تعكس دور المرأة الموريتانية و تاريخياً كخط دفاع أخير عن كرامة الأسرة وممتلكاتها وهي هنا لا تدافع عن جدران إسمنتية فحسب بل كانت تدافع عن كرامة الأخ التي ترفض الانكسار أمام جبروت اللحظة.
إن الربط بين هذين المشهدين يكشف عن عبقرية الشخصية النسائية في موريتانيا سواء كان المبدأ شرعياً يمنع المصافحة، أو قيمياً يحث على الفداء في المشهدين قوة الحضور غلبت قوة الضغوط البروتوكولية و الأمنية.
وأعادت هاتان الصورتان توحيد الشارع الموريتاني حول مفاهيم الشهامة والعفة والارتباط بالأرض والأهل مما جعل منصات التواصل الاجتماعي ساحة للاحتفاء بالشنقيطية في أبهى تجلياتها.
فمتي يتحول هذا النموذج إلى وعي مجتمعي يترجم إلى مشروع إصلاحي دائم يحفظ التوازن بين الأصالة ومتطلبات العصر؟
المرأة الموريتانية: حارسة القيم وسياج الكرامة/ فاطمة عمار

