السلطة الرابعة : من قدسية الرسالة إلى عبث الممارسة/ محمد ولد عمار

نحن، في كثير من الأحيان، لسنا مجرد شهود على أزمة الإعلام، بل جزء من بنيتها المختلة، تتسلل الاختلالات إلى الحقل الإعلامي، فتشوه المعايير وتربك الأدوار، وتفرغ الرسالة من مضمونها. وهنا، لا يعود الحديث عن الإعلام ترفا فكريا، بل ضرورة أخلاقية ومجتمعية ملحة.

إن تنقية الحقل الإعلامي لم تعد خيارا، بل شرطا لبقائه. فالمهنية ليست شعارا يرفع، بل ممارسة يومية تضبط بقواعد صارمة، تبدأ من التكوين ولا تنتهي عند النشر. والموضوعية ليست ادعاء يستحضر عند الحاجة، بل التزام يفرض على الصحفي أو الإعلامي أن يفصل بوضوح بين الرأي والخدمة والترويج، وأن يدرك أن الخلط بينها ليس مجرد خطأ مهني، بل انزلاق يمس ثقة الجمهور في مجمل المنظومة الإعلامية او يذهب به إلى عوالم بعيدة عن الموروث الثقافي والفكري.

في السياق الموريتاني، تتعقد الصورة أكثر. إذ يطرح سؤال المهنية نفسه بإلحاح: هل يمكن أن ننتظر أداء مهنيا ممن لم يتلق الحد الأدنى من التكوين؟ وهل يعقل أن نحاسب على معايير لم تغرس أصلا في بيئة العمل؟ إن من لا يعرف أبجديات العمل الصحفي، ولا يقيم لها وزنا، لا يمكن أن يطلب منه أن يصونها. أما من التزم بها نظريا عند دخوله الميدان، ثم تخلى عنها عمليا، فهو يطرح إشكالا أخلاقيا قبل أن يكون مهنيا.

إن الإشكال لا يكمن فقط في الأفراد، بل في بنية تسمح بالتمدد دون ضوابط، وتخلط بين من يمارس الصحافة كرسالة، ومن يتخذها وسيلة للنفوذ أو الترويج. وهنا تتراجع فكرة “السلطة الرابعة” من موقع الرقابة والمساءلة، إلى هامش ملتبس، يفقد فيه الإعلام قدرته على التأثير، بل وقد يتحول إلى أداة في يد من يفترض أن يراقبهم.

الموضوعية، مرة أخرى، ليست حيادا باردا، بل انحياز للحقيقة. والاستهداف—بمعناه المهني—ليس تصفية حسابات، بل تحديد دقيق للجمهور والقضايا وفق معايير المصلحة العامة، لا وفق الأهواء أو الإملاءات. والعمل الصحفي، في جوهره، فعل مسؤولية قبل أن يكون مهنة، يقتضي شجاعة في الطرح، ونزاهة في النقل، ووعيا بحدود الدور.

إن إعادة الاعتبار للإعلام في موريتانيا تمر حتما عبر مسارين متوازيين:
- تأهيل مهني جاد يرسخ القيم قبل المهارات.
-  وإرادة مؤسسية تضع حدا للفوضى،وتعيد ترتيب الحقل وفق معايير الاستحقاق والكفاءة. 
فلا يمكن أن نستمر في مساءلة النتائج دون مراجعة الشروط التي أفرزتها.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحا: إلى أين تتجه السلطة الرابعة في موريتانيا؟
الجواب ليس حكرا على الصحفيين او الإعلاميين وحدهم، بل مسؤولية جماعية تبدأ بالاعتراف بأن الخلل قائم، وأن إصلاحه ممكن؛إذا توفرت الإرادة، وتقدمت المهنية على ما سواها.
طابت أوقاتكم بكل خير