هل ننتظر الكارثة حتى نبحث عن الخطة «ب»؟/ محمد ولد عمار

في إدارة الشأن العام، لا تقاس كفاءة المؤسسات بقدرتها على التعامل مع الأزمات بعد وقوعها فحسب، وإنما بمدى استعدادها لها قبل حدوثها. فالأزمة قد تكون مفاجئة في توقيتها، لكنها في كثير من الأحيان ليست مفاجئة في طبيعتها، ولذلك فإن الاستباق والتحسب والصيانة ووضع الخطط البديلة ليست ترفا إداريا، بل جزء أصيل من المسؤولية.

وفي موريتانيا، تعيد الانقطاعات المتكررة في بعض الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه، طرح سؤال يتجاوز تفاصيل العطل الفني: هل نملك منظومة قادرة على ضمان استمرارية الخدمات الحيوية، حتى عندما تتعرض المنشآت أو الشبكات لأعطال طارئة؟

ليس من الإنصاف تحميل المسؤولية لأي جهة عن كل عطل أو حادث، فالشبكات والمنشآت الفنية معرضة بطبيعتها للأعطاب والحرائق والضغط والاستنزاف. كما أن طبيعة البلد واتساعه والظروف المناخية وارتفاع الطلب عوامل تفرض تحديات حقيقية على قطاعات الخدمات.

لكن الإنصاف نفسه يقتضي طرح الأسئلة الصعبة عندما تتكرر الأزمات: هل تمت الصيانة الوقائية في الوقت المناسب؟ هل جرى تقييم المخاطر؟ هل توجد معدات احتياطية وقطع غيار كافية؟ هل هناك فرق تدخل جاهزة؟ وهل توجد خطوط بديلة ومصادر احتياطية تسمح بتقليص فترة الانقطاع عندما يتعطل المصدر الرئيسي؟

هذه الأسئلة لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف المنظومة. فالمسؤولية الإدارية الحديثة لا تقوم على انتظار وقوع المشكلة ثم البحث عن حل لها، وإنما تقوم على توقع السيناريوهات المحتملة ووضع الاستجابات المناسبة لها مسبقا.

الخطة البديلة، أو ما يعرف بـ«الخطة ب»، ليست دليلا على ضعف الخطة الأصلية، بل دليل على نضج التخطيط. فكل منظومة حيوية تحتاج إلى افتراض احتمال فشل أحد مكوناتها. وإذا تعطلت محطة، يجب أن تكون هناك بدائل. وإذا خرج خط عن الخدمة، ينبغي أن تكون هناك إمكانية للتحويل إلى خط آخر. وإذا استمر العطل لساعات طويلة، يجب أن تكون هناك آلية واضحة لتأمين المستشفيات والمرافق الحيوية ومحطات المياه والمصالح الأساسية.

وهنا تحديدا تكمن أهمية الصيانة. فالصيانة لا ينبغي أن تكون مجرد تدخل بعد ظهور العطب، بل يجب أن تكون عملية مستمرة تقوم على المراقبة والفحص والاستبدال الوقائي وتحديث التجهيزات. وفي كثير من الأحيان، تكون كلفة الوقاية أقل بكثير من كلفة الانهيار، ليس فقط من الناحية المالية، وإنما أيضا من حيث الثقة العامة والخسائر التي يتحملها المواطن والاقتصاد.

إن توفير الكهرباء والماء ليس مجرد خدمة تقنية تقدم للمواطن متى توفرت الظروف، بل هو مسؤولية عامة ترتبط مباشرة بالحياة اليومية وبالنشاط الاقتصادي والصحي والاجتماعي. ولهذا فإن استمرارية الخدمة يجب أن تكون هدفا في حد ذاته، وليس مجرد نتيجة نأمل أن تتحقق.

ومن حق المواطن، في المقابل، أن يعرف ماذا يحدث عندما تتعطل الخدمة: ما سبب العطل؟ ما حجم الأضرار؟ ما الإجراءات المتخذة؟ وما المدة المتوقعة لإعادة الخدمة؟ والأهم: ماذا ستفعل المؤسسة لمنع تكرار المشكلة؟

الشفافية هنا لا تعني الاعتراف بالعجز، بل تعني احترام المواطن. كما أن تقديم المعلومات الدقيقة في أوقات الأزمات يساعد على تهدئة المخاوف ويحد من انتشار الشائعات والتفسيرات غير الدقيقة.

موريتانيا اليوم أمام مرحلة تتطلب قدرا أكبر من التفكير في استدامة الخدمات والبنية التحتية. فالتوسع الحضري، وارتفاع عدد السكان، وتزايد الطلب على الكهرباء والمياه، والنمو الاقتصادي المتوقع، كلها عوامل تجعل الحاجة إلى منظومات أكثر صلابة ومرونة أمرا لا يحتمل التأجيل.

وإذا كانت المشاريع الكبرى تمثل جزءًا مهما من الحل، فإن الاستثمار في الإدارة والصيانة والتكوين والتجهيزات الاحتياطية والرقابة الفنية يمثل الجزء الآخر الذي لا يقل أهمية.

المطلوب ليس البحث عن أخطاء المسؤولين عند كل أزمة، ولا منحهم حصانة من النقد. المطلوب هو بناء ثقافة جديدة في إدارة المرافق العمومية، تقوم على قاعدة بسيطة: نساند المسؤول عندما ينجح، وننتقد الأداء عندما يتعثر، ونطالب بالشفافية عندما تقع الأخطاء، ونسأل عن المسؤولية عندما يثبت التقصير.

فالمسؤول لا يستطيع أن يمنع كل حادث، لكنه يستطيع أن يقلل احتمالات وقوعه، وأن يحد من آثاره، وأن يسرع الاستجابة له، وأن يعمل على ألا يتحول العطل المحدود إلى أزمة واسعة.

لقد آن الأوان للانتقال من عقلية «إطفاء الحرائق» إلى عقلية الوقاية منها، ومن إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر قبل حدوثها. فالبلدان لا تقاس فقط بعدد المشاريع التي تنجزها، وإنما كذلك بقدرتها على حماية ما أنجزته وضمان استمراريته.

وفي النهاية، المواطن لا يطلب المستحيل. إنه يريد خدمة مستقرة، وإدارة حاضرة، ومعلومة واضحة، واستجابة سريعة، وخطة بديلة عندما تفشل الخطة الأولى.

ففي إدارة الدول، كما في الحياة، ليس المهم فقط أن تمد يدك للغريق، وإنما الأهم أن تمدها إليه قبل أن يغرق.