من رابطة الدم إلى الحساب الحزبي: تحوّل أشكال التضامن القروي في تِيكّان / الحسن إبراهيم كان

لقد أرست قمة الفرنكوفونية في «شايي» بباريس في نوفمبر 1991، وقبلها قمة «لابول»، الأسس لموجة من التحول الديمقراطي في غرب إفريقيا. وفي موريتانيا، أفضى التحول الدستوري سنة 1991 إلى إقرار التعددية الحزبية، التي كان يُفترض أن توفر منبراً للتعبير والتعددية.

وبعد خمسة وثلاثين عاماً، يكشف الواقع في العالم الريفي، ولا سيما في بلدية تِكّان الواقعة في وادي نهر السنغال، عن واقع أكثر قتامة: فقد أدى فرض نموذج تنافسي حزبي على هياكل مجتمعية ضاربة في القدم، تدريجياً، إلى إضعاف النسيج الاجتماعي، وإحلال الحسابات الانتخابية محل التضامن.

1. من الجماعة إلى السوق الانتخابية: تحوّل أشكال التضامن

قبل عقد التسعينيات، كان التماسك الاجتماعي في تِكّان يقوم على آليات تقليدية للتكافل، من بينها العمل الجماعي، والتدبير المشترك للأراضي الزراعية، والاحترام الصارم للتسلسلات الأسرية والتراتبية داخل القرية.

وكانت الخلافات تُسوّى تحت «شجرة النقاش» أو في مجالس التشاور، انطلاقاً من الحرص على الحفاظ على وحدة الجماعة.

غير أن ظهور التعددية الحزبية أدخل منطقاً جديداً إلى الحياة المحلية: المنطق الحزبي.

تسييس الروابط الأسرية:
تحولت الروابط العائلية، التي كانت في السابق مصدر حماية وتكافل، إلى أدوات لاستقطاب الأصوات. وأصبحت الأسر تجد نفسها منقسمة بين ترشيحات متنافسة، وأحزاب موجودة في السلطة، وتشكيلات معارضة.

المعاملة في صميم العلاقات:
أصبح الدعم السياسي مرتبطاً بالحصول على خدمات كانت في السابق تقدم في إطار التضامن والتكافل، مثل الحصول على المدخلات الزراعية، أو فرص العمل في الإدارة المحلية، أو المساعدة في مواجهة سنوات المحاصيل الضعيفة.

2. تِكّان: نموذج لتآكل القيم التقليدية

في تِكّان، تسللت السياسة الحزبية إلى تفاصيل الحياة اليومية للسكان. ويمكن ملاحظة مظاهر هذا التدهور على مستويات عدة:

الانقسام بين الأجيال وتراجع سلطة الكبار

أصبحت السلطة المعنوية لكبار السن موضع تحدٍّ مع بروز فاعلين سياسيين محليين يستمدون شرعيتهم من دعم خارجي، سواء من شبكات موجودة في نواكشوط أو من الجالية في الخارج.

وحلّت المكاتب السياسية المحلية تدريجياً محل مجالس الحكماء.

استقطاب الفضاءات الاجتماعية

وأصبحت المناسبات التقليدية التي كانت تجمع سكان القرية، مثل حفلات التسمية، ومجالس العزاء، والأعراس، والمناسبات الزراعية، ساحات لمواجهات رمزية أو لتجنب بعض الأشخاص بصورة استراتيجية، وفقاً لانتماءاتهم السياسية.

3. مفارقة الديمقراطية المستوردة

لقد نقل المسار الذي انطلق في أعقاب القمم الفرنسية-الإفريقية مؤسسات ديمقراطية غربية دون أن تتم مواءمتها بما يكفي مع الواقع المحلي.

وفي ظل غياب أحزاب منظمة على أساس أيديولوجيات واضحة، تحولت المنافسة إلى الزبونية السياسية، والانغلاق الهوياتي أو العشائري.

««لقد حاولنا زرع نظام يقوم على المنافسة الدائمة داخل مجتمع كانت استمراريته تقوم على التوافق الدائم. وعندما كسرنا التوافق، كسرنا التضامن.»»

وتجسد هذه الحالة الظاهرة التي أشار إليها عالم الاجتماع السياسي جان فرانسوا بايار في نقده لسياسات استنساخ المؤسسات: إذ لم تعد الآلة السياسية تُستخدم لبناء مواطنة مشتركة، وإنما أصبحت أداة لإعادة توزيع الموارد على نحو يخضع لمنطق المقايضة، بينما يتراجع مفهوم «العيش المشترك» أمام المصالح الفردية للفصائل.

نحو إعادة بناء العقد الاجتماعي في تِكّان

إن الوضع الذي تشهده تِكّان ليس وضعاً لا رجعة فيه، لكنه يتطلب وعياً جديداً من المجتمع المدني المحلي ونخبه.

ولإعادة الاعتبار إلى معنى العيش المشترك، ينبغي أن يتجاوز العمل المحلي الاستحقاقات الانتخابية، وذلك من خلال:

- إعادة الاعتبار إلى آليات الوساطة التقليدية المستقلة عن الأجندات السياسية.
- تشجيع جمعيات التنمية المجتمعية التي تركز على المصلحة العامة، مثل الصحة والتعليم وإدارة المياه، بدلاً من الشبكات القائمة على النفوذ.
- إعادة ترسيخ أولوية الرابط الاجتماعي على حساب ورقة الاقتراع، والتذكير بأن التضامنات القروية تبقى وتتجاوز الولايات والعهود السياسية.

وفي المحصلة، تكشف المسيرة التي عرفتها تِكّان منذ التحول نحو التعددية الحزبية سنة 1991 عن الكلفة الاجتماعية لديمقراطية لم تُحسن التفاعل مع الواقع المجتمعي المحلي.

فقد أدى فرض منطق انتخابي تنافسي على هياكل اجتماعية متجذرة إلى تغيير المشهد المحلي: ففي الوقت الذي كان يسود فيه التوافق الأسري، واحترام الكبار، والتضامن القائم على القرب، برز الاستقطاب، وتسليع الولاءات، وأولوية الانتماء إلى الفصيل السياسي.

وهذا الانتقال من رابطة الدم إلى الحساب الحزبي يجسد، وفق النص، ما وصفه عالم الاجتماع والسياسة جان فرانسوا بايار في أعماله حول الديناميات السياسية الإفريقية:

««غالباً ما كانت التعددية الحزبية أقل تعبيراً عن تعلم الحوار المدني منها عن إعادة ابتكار الزبونية السياسية. فقد ذابت التضامنات العضوية لصالح شبكات نفوذ أصبحت فيها الولاءات السياسية شرطاً أساسياً للوصول إلى الموارد.»»

وأمام هذا التآكل في الأساس المجتمعي، لا يكمن مستقبل تِكّان في رفض الديمقراطية، وإنما في إعادة ابتكار المواطنة المحلية.

والمطلوب اليوم هو تجاوز الزمن القصير للاستحقاقات الانتخابية، والعمل على إعادة بناء فضاء عمومي قروي لا يكون فيه «العيش المشترك» رهيناً بورقة اقتراع، وإنما قائماً على استعادة قيم التضامن والتكافل والكرامة المشتركة.