أعاد سؤال «أي موريتانيا نريد؟» الذي استحضره رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني خلال زيارته لولاية آدرار، طرح قضية تتجاوز الظرف السياسي الراهن، لتلامس جوهر المشروع الوطني: أي دولة نريد أن نبني، وأي نموذج تنموي نريد للأجيال القادمة؟
فموريتانيا اليوم تختلف عن موريتانيا التي كانت في مرحلة التأسيس. فقد قطعت البلاد أشواطا في بناء مؤسسات الدولة وتطوير البنية التحتية وتوسيع الخدمات، لكنها في المقابل تواجه تحديات جديدة تتعلق بجودة التعليم والصحة، وخلق فرص العمل، وتنويع الاقتصاد، وتقليص الفوارق بين المناطق، وتعزيز كفاءة الإدارة، ومواجهة آثار التغيرات المناخية.
ومن هنا، تبدو الحاجة قائمة إلى الانتقال من منطق معالجة الاحتياجات والاختلالات إلى بناء رؤية تنموية طويلة المدى، تجعل من الإنسان محورا للتنمية، ومن الموارد الوطنية وسيلة لخلق القيمة وفرص العمل، لا مجرد مصدر للإيرادات. فامتلاك الثروات الطبيعية وحده لا يكفي؛ الأهم هو القدرة على تحويلها إلى اقتصاد منتج ومتنوع ومستدام.
وتملك موريتانيا مقومات مهمة لتحقيق ذلك، من موقع جغرافي استراتيجي وموارد معدنية وطاقوية، إلى إمكانات في الزراعة والرعي والصيد والسياحة والطاقات المتجددة. غير أن الاستفادة الحقيقية من هذه الإمكانات تتطلب مزيدا من الاستثمار في رأس المال البشري، وتشجيع القطاع الخاص، وتطوير سلاسل القيمة، وربط التكوين والتعليم بحاجات سوق العمل.
كما أن التنمية المتوازنة بين الولايات ينبغي أن تكون جزءا أساسيا من الرؤية المستقبلية. فلكل منطقة إمكاناتها وخصوصياتها، ويمكن لآدرار - كما يمكن لغيرها من الولايات - ، بما تملكه من مقومات سياحية وثقافية وبيئية وزراعية، أن تقدم نموذجاً لتنمية محلية تقوم على تثمين الموارد وتحويلها إلى فرص اقتصادية مستدامة.
ولا يمكن فصل ذلك عن البعد البيئي والمناخي. فالتصحر وتدهور الأراضي وشح المياه والتغيرات المناخية لم تعد قضايا بيئية منفصلة عن الاقتصاد والمجتمع، بل أصبحت جزءا من معادلة التنمية نفسها. ولذلك فإن الاستثمار في التكيف، واستعادة الأراضي، والاقتصاد الأخضر، والحلول القائمة على النظم البيئية، يمكن أن يتحول من استجابة للتحديات إلى فرصة تنموية جديدة.
ويبقى نجاح أي رؤية رهينا بقدرة المؤسسات على تنفيذها. فالتنمية لا تقاس بعدد المشاريع المعلنة فقط، وإنما بنتائجها وأثرها الفعلي على حياة المواطنين. وهذا يفرض تعزيز ثقافة التخطيط والنتائج، وتحسين التنسيق بين القطاعات، وربط البرامج بمؤشرات واضحة، وتقييم الأداء بصورة منتظمة.
وفي هذا السياق، يمكن للحوار الوطني أن يشكل فرصة لصياغة توافقات أوسع حول الخيارات الكبرى للبلاد، بعيدا عن النقاشات الظرفية، وبما يسمح بتحديد الأولويات التي ينبغي أن تحكم مسار موريتانيا خلال السنوات والعقود المقبلة.
إن سؤال «أي موريتانيا نريد؟» ليس مجرد استعادة لسؤال من الماضي، بل هو دعوة إلى التفكير في المستقبل. والإجابة الأكثر أهمية لن تكون في الخطابات، وإنما في القدرة على تحويل الرؤية إلى سياسات، والسياسات إلى مشاريع، والمشاريع إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
فموريتانيا المستقبل تحتاج إلى دولة أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر تنوعاً، وتنمية أكثر توازناً، وإنسان أكثر تأهيلاً، ومؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات. وتلك، في جوهرها، ليست مهمة حكومة أو جيل واحد، وإنما مشروع وطني يتطلب رؤية مشتركة واستمرارية في العمل.

