تحتل التنمية الحيوانية موقعاً خاصاً في الاقتصاد والمجتمع الموريتاني، ليس فقط باعتبارها نشاطاً إنتاجياً تقليدياً، وإنما بوصفها مصدر عيش أساسي لشرائح واسعة من سكان الريف، ورافعة يمكن أن تساهم بصورة أكبر في مكافحة الفقر، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز صمود الأسر أمام الجفاف والتغيرات المناخية. ومع ذلك، لا يزال هذا القطاع، رغم أهميته، دون مستوى الإمكانات التي يملكها، خاصة في ظل محدودية عدد المشاريع التنموية والمتدخلين القادرين على مواكبة المجتمعات الريفية بصورة مستمرة.
وفي هذا السياق، برز مشروع PRAPS-2 باعتباره تجربة تنموية لافتة في مجال التنمية الرعوية والحيوانية، ليس فقط من خلال البنية التحتية والخدمات المرتبطة بالثروة الحيوانية، وإنما أيضاً من خلال مقاربة ركزت على تنظيم السكان الريفيين وإنشاء مجموعات عمل محلية، وربط النشاط الاقتصادي بالمجتمع المحلي. وقد ساعد هذا النوع من التدخل على نقل التنمية من مجرد تقديم خدمات أو إنجاز منشآت إلى خلق آليات يمكن للريفيين من خلالها أن يصبحوا فاعلين في النشاط الاقتصادي، وأن يستفيدوا من موارد قطاع يعتمدون عليه أصلاً.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها سلطت الضوء على حقيقة اقتصادية واجتماعية أساسية: الثروة الحيوانية ليست مجرد وسيلة للعيش، بل يمكن أن تكون مصدراً منظماً للدخل وفرص العمل والخدمات الاقتصادية في الريف. فحين يتم تنظيم المنتجين، وتحسين الوصول إلى الأسواق، وتوفير الخدمات البيطرية والأعلاف والمياه، وتطوير سلاسل القيمة المرتبطة باللحوم والألبان والجلود وغيرها، يصبح بالإمكان الانتقال تدريجياً من اقتصاد رعوي يعتمد على الإنتاج التقليدي إلى اقتصاد ريفي أكثر تنوعاً وقدرة على خلق القيمة.
غير أن التحدي الحقيقي يبدأ مع اقتراب انتهاء المشاريع الكبرى. فالمشكلة ليست فقط في كيفية الاستفادة من نتائج PRAPS-2، وإنما في كيفية الحفاظ عليها وتطويرها بعد انتهاء التمويل الخارجي. فالمجموعات الريفية التي تشكلت، والخبرات التي اكتسبها السكان، والهياكل والخدمات التي تم إنشاؤها، ينبغي ألا تتحول إلى مكاسب مؤقتة مرتبطة بعمر المشروع. المطلوب هو بناء آليات وطنية ومحلية قادرة على مواصلة العمل، وربط هذه المجموعات بالأسواق والقطاع الخاص والمؤسسات المالية والخدمات الحكومية.
وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الدخل الإضافي للريفيين. فالأسرة الريفية لا ينبغي أن تظل رهينة مصدر واحد للدخل، خصوصاً في بيئة تتأثر بصورة متكررة بالجفاف وتقلبات المراعي والأسعار. ويمكن للتنمية الحيوانية أن تفتح أمامها أنشطة اقتصادية مرافقة: إنتاج الحليب ومشتقاته، تسمين المواشي، تجارة الأعلاف، الخدمات البيطرية، تسويق الحيوانات، جمع المنتجات الحيوانية، تصنيع الجلود، النقل والخدمات المرتبطة بالأسواق، فضلاً عن الأنشطة الصغيرة التي يمكن أن تستفيد منها النساء والشباب.
ومن هنا، فإن مجموعات العمل الريفية يمكن أن تتحول إلى نواة حقيقية لاقتصاد محلي إذا تم دعمها بالتمويل والتكوين والتسويق والحكامة الجيدة. فبدلاً من أن تكون المجموعة مجرد إطار للاستفادة من تدخل مشروع، يمكن أن تصبح وحدة اقتصادية واجتماعية تتفاوض على الأسعار، وتشتري المدخلات بصورة جماعية، وتسوق منتجاتها، وتدير بعض الخدمات، وتخلق فرصاً اقتصادية لأعضائها.
لكن نجاح هذا المسار يتطلب حضوراً أكبر للقطاع الخاص والمؤسسات المالية، إلى جانب الدولة والشركاء التنمويين. فالتمويل التنموي وحده لا يستطيع بناء اقتصاد رعوي مستدام، كما أن الدولة لا يمكنها أن تتحمل وحدها كل أعباء الاستثمار والخدمات. المطلوب هو خلق شراكة تجعل من القطاع الحيواني مجالاً للاستثمار، ومن المنتج الريفي شريكاً اقتصادياً وليس مجرد مستفيد من مشروع.
كما أن محدودية عدد المشاريع التنموية في المناطق الريفية تفرض ضرورة تعظيم أثر المشاريع الموجودة، بدل انتظار مشاريع جديدة في كل مرة. فالمشروع الناجح ينبغي أن يترك وراءه مؤسسات محلية قادرة على الاستمرار، ومهارات بشرية، وشبكات اقتصادية، ونماذج قابلة للتوسع. وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي تدخل تنموي: ماذا سيبقى بعد انتهاء التمويل؟
إن مستقبل التنمية الحيوانية في موريتانيا لا يتوقف على زيادة أعداد المواشي فحسب، بل على قدرة البلاد على تحويل هذه الثروة إلى قيمة اقتصادية مضافة. وهذا يقتضي تحسين الإنتاجية، وتطوير سلاسل القيمة، وتقوية الأسواق المحلية، وربط المنتجين بالمستهلكين، والاستثمار في الخدمات البيطرية والأعلاف والمياه، وإدماج الشباب والنساء في الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالقطاع.
لقد أظهرت تجربة PRAPS-2 أن الاستثمار في الريف يمكن أن ينتج أثراً يتجاوز حدود المشروع نفسه عندما يتم إشراك السكان وتنظيمهم وبناء قدراتهم. ومع قرب انتهاء المشروع، تبدو الأولوية اليوم هي الانتقال من منطق المشروع إلى منطق المنظومة؛ أي تحويل ما تم بناؤه من مجموعات وخبرات وشبكات إلى قاعدة لسياسة وطنية مستدامة للتنمية الحيوانية والاقتصاد الريفي.
وفي بلد يعتمد جزء كبير من سكانه الريفيين على الثروة الحيوانية، فإن الاستثمار في هذا القطاع ليس خياراً اجتماعياً فقط، بل هو خيار اقتصادي وتنموي. فالرهان الحقيقي هو أن يتحول الحيوان من مجرد أصل تمتلكه الأسرة الريفية إلى مصدر متعدد للدخل، وأن يتحول الريف من فضاء يستهلك الدعم التنموي إلى فضاء ينتج القيمة وفرص العمل. وعندها تصبح التنمية الحيوانية بالفعل رافعة للاقتصاد الوطني وأداة لتعزيز دخل الأسر الريفية وصمودها ومستقبلها.

