الدومينو الجيوسياسي: كيف اندمج مسرحا أوكرانيا والشرق الأوسط في أزمة عالمية واحدة؟/محمد السالك ولد إبراهيم، خبير استشاري دولي

 لم يعد من الممكن في العرف الاستراتيجي المعاصر قراءة الأزمات الدولية بوصفها جزراً معزولة. إن ما نشهده اليوم بين خطوط التماس في الحرب المستعرة بين روسيا و أوكرانيا من جهة، وديناميكيات المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران من جهة أخرى، لم يعد مجرد "تقاطع مصالح" عابر، بل تحول إلى "تأثير دومينو جيوبوليتيكي" متكامل. في هذا النظام العضوي، تترجم الأفعال التكتيكية في مسرح عمليات محدد إلى صدمات استراتيجية، واقتصادية، وحتى انتخابية في قارات أخرى، لتسقط معها نهائياً نظرية "الاحتواء الإقليمي للصراعات".
ويتجلى هذا الاندماج العضوي عبر ثلاثة مسارات حيوية تتداخل فيها الأسباب بالنتائج:

1. طائرات مسيرة في سماء كييف.. وصناديق اقتراع في واشنطن (تقاطع الطاقة وعسكرة التكنولوجيا)
لقد أحدثت العقوبات الغربية على قطاع الطاقة الروسي صدمة عنيفة في الأسواق العالمية، وأدت إلى انكماش خطير في مرونة العرض. و في ظل هذا الاختناق، دخلت التكنولوجيا العسكرية الإيرانية لتعمق الأزمة وتلعب دور "الجسر الاستراتيجي" بين الصراعين:

- منظومة الارتداد العكسي: عندما تزود طهران موسكو بطائرات مسيرة انتحارية (مثل طراز "شاهد")، وتُستخدم هذه الأسلحة لتدمير البنية التحتية للطاقة والمصافي في أوكرانيا، أو حين ترد كييف بضرب مصافي التكرير في العمق الروسي، فإن النتيجة الفورية هي تراجع حاد في المعروض العالمي من المشتقات النفطية (مثل الديزل).
- التأثير السياسي العابر للقارات: هذا النقص لا يتوقف عند حدود أوروبا الشرقية، بل يترجم فوراً إلى ارتفاع في أسعار الوقود داخل محطات التوزيع الأمريكية. وهذا التضخم الذي يمس جيب المستهلك الأمريكي يتحول تلقائياً إلى ورقة ضغط سياسية قادرة على التأثير المباشر في مزاج الناخبين، مما قد يقلب موازين القوى في الانتخابات النصفية أو الرئاسية الأمريكية.
وهكذا، تتدخل مسيرة إيرانية في شرق أوروبا، لتصيغ المشهد السياسي في واشنطن.

2. صواريخ في طهران.. وأزمة تدفئة في أوروبا (عسكرة الجغرافيا والردع المتبادل)

لقد أدى المسعى الأوروبي المحموم للاستغناء عن الغاز والنفط الروسيين إلى جعل القارة العجوز مرتهنة بالكامل لسلامة الإمدادات القادمة عبر الممرات المائية في الشرق الأوسط. وهذا الارتهان حول المضايق البحرية من ممرات تجارية إلى أسلحة دمار اقتصادي شامل:
- معادلة هرمز والمواجهة الأمريكية-الإيرانية: إذا افترضنا أن واشنطن، في سياق الردع الإقليمي، وجهت ضربات صاروخية لشل قدرات مصافي النفط الإيرانية أو بنيتها التحتية، فإن طهران تمتلك ورقة "الردع غير المتماثل" عبر التلويح بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
- الرهينة الأوروبية: إغلاق هذا المضيق (الذي يعبر منه خُمس نفط العالم) سيحرم الأسواق من ملايين البراميل يومياً. والنتيجة لن تقتصر على طرفي النزاع، بل ستتلقى أوروبا - الفاقدة أصلاً للإمدادات الروسية - الضربة الأقسى، لتستيقظ عواصمها على قفزة جنونية في أسعار الديزل والغاز، مهددة بشلل صناعي واحتجاجات اجتماعية في شتاء قارس. هنا، يتحكم قرار أمريكي بضرب إيران في مصير الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لحلفاء واشنطن في حلف الناتو.

3. أساطيل الظل وتشتت المظلة الدفاعية (الاقتصاد الموازي ومعضلة الذخيرة)

لقد أعادت كل من الحربين الروسية- الأوكرانية والامريكية- الإيرانية نمط "الحروب الصناعية الكبرى" مستنزفة المخزون الاستراتيجي لحلف الناتو. وفي ظل تشابك الجبهتين، وجدت القوى الكبرى نفسها مجبرة على إعادة هيكلة اقتصادياتها وقدراتها العسكرية:
- اقتصاديات الظل المتكاملة: العزلة المزدوجة المفروضة على موسكو وطهران دفعتهما لدمج خبراتهما لتأسيس ما يعرف بـ "أساطيل الظل". وهذه الشبكات البحرية والمالية المعقدة مكنت روسيا من الالتفاف على سقف الأسعار الغربي، مستفيدة من البنية التحتية الإيرانية المتمرسة في تجاوز العقوبات، مما خلق مساراً موازياً لتوريد الطاقة يصعب على الإدارة الأمريكية تتبعه أو خنقه بمفردها.
- استنزاف الموارد الدفاعية: مع اشتعال جبهة البحر الأحمر وباب المندب كجزء من تداعيات المواجهة في الشرق الأوسط، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة تقسيم الإمدادات العسكرية عالية التكلفة (مثل صواريخ وأنظمة باتريوت الاعتراضية وذخائر 155 ملم). فكل صاروخ اعتراضي يُطلق لحماية سفينة تجارية في البحر الأحمر، هو بالضرورة صاروخ يُقتطع من المظلة الدفاعية لكييف، مما يعكس كيف أن تمدد جغرافيا الصراع في الشرق الأوسط يضعف الجدار الدفاعي في أوروبا.

باختصار، لم يعد التحليل الاستراتيجي المعاصر يحتمل الفصل بين القارات والعوالم. فالشرايين التي تضخ النفط، وخطوط الإنتاج التي تصنع الطائرات المسيرة، وغرف العمليات التي تدير الأزمات، أصبحت كلها متصلة بعضها ببعض في شبكة عصبية واحدة. وأي تسوية سياسية، سواء تعلقت بتأمين سلاسل التوريد أو كبح التضخم، تتطلب مقاربة دولية تدرك أن مفتاح الحل في كييف قد يكون مخبأً في طهران، وأن استقرار محطات الوقود في أوروبا وأمريكا يبدأ من تأمين المضايق البحرية في الشرق الأوسط .