المدرسة رقم 1 في ازويرات: تاريخٌ وذكرياتٌ../ محمد السالك ولد ابراهيم

في غمرة الاحتفاء بـ "يوم المعلم العالمي"، واستحضاراً لفضل أولئك الرواد الذين أناروا دروبنا وبنوا عقولنا، أعادتْ صورٌ قديمة للمدرسة رقم 1 في مدينة ازويرات الأثيرة على قلبي، شريط الذكريات الجميلة إلى الوراء. عادت بي تلك الصور إلى أيام الطفولة في تلك البقاع التي جمعت بين سحر الطبيعة، وتسارع التطور، وغرابة المشهد في آن واحد، خاصة في تلك البدايات المبكرة بُعيد الاستقلال الوطني وانطلاق عمليات استغلال مناجم الحديد من طرف شركة ميفرما متعددة الجنسيات.

لا أبالغُ إن قلت إنّ ازويرات في تلك الحقبة كانت أشبه بمستعمرة فرنسية، أسسها في موقعها الحالي أول مدير عام لشركة "ميفرما"، المهندس جان أودبير. في البداية، لم تكن في المدينة المنجمية سوى مدرسة واحدة مختلطة، حيث كان يدرسُ فيها أبناء الفرنسيين وأبناء المواطنين. بعد ذلك بفقرة قصيرة، تم بناء مدرسة إضافية، وأصبحت  المدينة تضم سوى مدرستين ابتدائيتين؛ إحداهما خُصصت لأبناء العائلات الفرنسية العاملة في الشركة، وعُرفت محلياً بـ "أكول النصارى" ورسمياً بـ مدرسة الشمال، ولعل هذه التسمية جاءت تلافياً للحساسيات. أما المدرسة الثانية، فكانت تُعرف تاريخياً بـ مدرسة الجنوب وكانت مُخصصة لأبناء المواطنين، قبل أن يُطلق عليها لاحقاً اسم "المدرسة رقم 1".

في هذه المدرسة، التي التحقتُ بها على الأرجح في العام الدراسي 1972-1973، تلقّيتُ أولى الدروس النظامية بعد أن أكملتُ حوالي عشرين حزبا من القرآن العظيم في الكتاتيب، وتابعت فيها إلى جانب التعليم النظامي.

كانتْ البنايةُ آية في الحسن والحداثة والتطور، زاخرةً بأحدث التجهيزات المدرسية، وكانت تصاميمُ فصولها تسبق عصرها. ولا تزال صور ساحاتها، وحدائقها ذات الأشجار الوارفة، وأزهارها، ونوافيرها المتطورة، وملاعبها، ماثلة في مخيلتي. لقد كانت حقاً صرحاً تعليمياً جميلاً، ولا أبالغُ إن قلت إنها تفوقُ في رونقها وتنظيمها الكثير من جامعاتنا الحالية.

وفي يوم المعلم هذا، لا يسعني إلا أن أستذكر طاقمنا التربوي المشرف الذي كان يتمتعُ بكفاءة استثنائية وعناية فائقة. في تلك المرحلة، كان المدير والمعلمون والمراقب العام يُعدّون من أعيان المدينة ونخبتها. وقد بذلوا جهوداً مضنية في أداء رسالتهم التربوية تجاه مئات الأطفال الذين مروا من هناك. أسأل الله أن يتغمد بواسع رحمته من رحل من أولئك الرجال الأفذاذ الذين رعوا تعليمنا وقوّموا أخلاقنا، وأن يحفظَ من بقي منهم، ويطيل في عمره، ويجزيه عنا خير الجزاء.

أتذكر أنّ أول مدير أدركته عند دخولي المدرسة كان المرحوم الخو ولد وداد، ثم خلفه لمرابط ولد أبوه، أطال الله بقاءه. أما المراقب العام الطيب البشوش فكان الدّاه ولد مولاي أعلي، رحمه الله. ولا أنسى ذلك الرعيل الأول من المعلمين المثاليين، أمثال: زركان، وبيروك، ومحمد ولد السعد، وبوبكر، وسيدي محمد ولد أحمد خليفة، وولد عتيه. كما تحضرني أسماءُ معلمين أفارقة مثل "موريس"، و"جالو" العازف الشهير الذي كانت أوتار غيتاره السحرية تنعش سهرات الجوق المحلي في "نادي الغزال" (Club la Gazelle) خلال  عطل نهاية الأسبوع.


ومن الأشياء التي قد تبدو مستغربة اليوم، أننا كنا نحظى آنذاك، كل شهر أو شهرين، بحصة جماعية مخصصة لحضور عروض سينمائية مدرسية. وكنا نصطفُ في طوابير منتظمة بعد صلاة العصر، لنتجه برعاية الطاقم التربوي إلى دار السينما الوحيدة التي لم تكن تبعد سوى مئات الأمتار، لنستمتع بمشاهدة أفلام الأطفال والرسوم المتحركة مثل "روبن هود"، و"تان تان"، و"طرزان". أضف إلى ذلك أنّ المدرسة كانت توفر جميع المستلزمات الدراسية مجاناً، من كتب ودفاتر وأقلام، وتعيد تزويدنا بها كلما استهلكت.

من ناحية أخرى، شكلت "المدرسةُ رقم 1" نموذجاً فريداً للتعايش والمحبة والألفة بين مختلف المكونات المجتمعية في موريتانيا؛ حيث امتزج أبناء التجار -مثلي- بأبناء العمال القادمين من الأرياف وأبناء البادية ومن مختلف بقاع الوطن الأخرى. جلسنا على مقاعد دراسية واحدة، بيظاناً، وكوراً، وحراطين، زوايا وعرباً. ومن منا من أبناء جيلي لا يتذكر أولئك الزملاء والأحبة من مختلف الأطياف، أمثال محمد ولد آبيبك، محمد ولد مسعود، سيدي أحمد ولد كعباش، الشيخ ماء العينين، ومحمد الأمين ولد الدنّه، ومحمد ولد الدوكي، وعبدول با، وبنت بوطو، ولد الشبيل، وخطري ولد الناجم، والقائمة تطول.

تُظهر الصورة الجانب الأيمن للمدرسة بمظلاتها والهيكل المعدني الذي يميز بناءها. كما تظهر عند المدخل العتيق تلميذاتٌ ربما أجنبيات، أيام  كانت المدرسة مختلطة بين أبناء الجالية الأوروبية القاطنة في المدينة، وأبناء المواطنين.
بالمناسبة، أوجه التحية لكل الإخوة والأصدقاء، وبخاصة زملاء الدراسة في تلك الحقبة الجميلة. وأدعو الله أن يرحم من غادرنا، ويبارك في أعمار الباقين ويرزقهم سعادة الدارين.