استقالة الحكومة .. هل تبدأ مرحلة المحاسبة أم معركة التوافق السياسي؟/ محمد ولد عمار

تأتي استقالة حكومة الوزير الأول المختار ولد اجاي في لحظة سياسية تتقاطع فيها أسئلة المسؤولية الحكومية وتحديات الثقة العامة، على خلفية أزمة الحريق الذي طال منشآت تابعة للشركة الموريتانية للكهرباء «صونلك»، وما أثاره من تساؤلات حول التسيير والرقابة على الصفقات العمومية، بالتزامن مع الجدل المحيط بملف المدونين المقيمين في الخارج، وما يطرحه من إشكالات تتعلق بحرية التعبير ومكافحة الابتزاز وضمانات تطبيق القانون.

ورغم عدم وجود ما يكفي للجزم بأن هذه الملفات كانت السبب المباشر في استقالة الحكومة، فإن تزامنها يضع المرحلة المقبلة أمام تحديات تتجاوز مجرد تشكيل حكومة جديدة، لتشمل مراجعة الأداء الحكومي، وتعزيز المساءلة، وتهيئة مناخ سياسي ملائم للحوار والتوافق بين مختلف الفرقاء الوطنيين.

ففي ملف صونلك، لا تقتصر المسألة على تحديد الأسباب الفنية للحريق، بل تمتد إلى ضرورة الكشف عن الظروف الإدارية والفنية التي أحاطت به، وتحديد المسؤوليات وفق ما تسفر عنه التحقيقات. فحماية المال العام وسلامة المرافق الأساسية تتطلبان رقابة فعالة على الصفقات والأشغال، واحترام المعايير الفنية، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو الخلط بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية.

ولا ينتظر المواطن معرفة أسباب الحادثة فحسب، بل يريد ضمانات عملية تمنع تكرارها. ولذلك، فإن قيمة المعالجة الحكومية ستتحدد بمدى الانتقال من الإجراءات الظرفية إلى إصلاح آليات الرقابة والتسيير، وتعزيز الوقاية، وربط المسؤولية بالنتائج.

أما ملف المدونين المقيمين في الخارج، فيطرح ضرورة التوفيق بين مكافحة الابتزاز والتشهير وحماية الحقوق الشخصية من جهة، وضمان حرية التعبير والنقد السياسي والإعلامي المشروع من جهة أخرى. فالمعيار الحاسم يجب أن يكون احترام القانون وقرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، مع الحفاظ على استقلال القضاء وتجنب توظيف القضايا القانونية في التجاذبات السياسية.

وتكتسب هذه الملفات أهمية إضافية في ضوء الحوار السياسي المرتقب، الذي يمكن أن يشكل فرصة لإعادة بناء الثقة بين السلطة والمعارضة ومختلف القوى الوطنية. فالتحدي لا يتمثل فقط في إطلاق الحوار، بل في توفير شروط نجاحه، من خلال تحديد أهداف واضحة، ومناقشة القضايا الوطنية الكبرى، ووضع آليات لمتابعة النتائج وتحويل التفاهمات إلى التزامات عملية.

وفي هذا السياق، ستكون الحكومة الجديدة مطالبة بمراعاة البعد التوافقي في مقاربتها للشأن العام، والانفتاح على مختلف الفرقاء السياسيين، دون أن يعني ذلك إلغاء الاختلاف أو إضعاف الأدوار الدستورية للمعارضة. فالتوافق الحقيقي لا يقوم على توزيع المناصب أو استيعاب بعض الأطراف داخل السلطة، وإنما على الاعتراف بالتعددية، واحترام الاختلاف، والبحث عن أرضية مشتركة بشأن الإصلاحات الضرورية.

وتبرز هنا قضايا الحكامة الرشيدة، ومكافحة الفساد، وإصلاح الإدارة، وتعزيز الحريات، وتحسين الخدمات الأساسية باعتبارها مجالات يمكن أن تشكل أساسا لنقاش وطني مسؤول، رغم تباين المواقف السياسية بشأن تفاصيلها. كما أن نجاح الحوار يظل رهينا باستعداد جميع الأطراف لتقديم مقترحات واقعية، والابتعاد عن منطق الإقصاء والاستقطاب، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الظرفية.

أما بشأن معالم الحكومة المقبلة، فإن الأهم لا يتعلق بعدد الوجوه الجديدة أو القديمة، بل بمدى قدرتها على الجمع بين الخبرة والتجديد، وتحسين الأداء التنفيذي، وتعزيز الشفافية والمساءلة. فالتغيير الحقيقي لا يتحقق بمجرد استبدال الأشخاص، وإنما بمراجعة أساليب العمل، وتحديد الأولويات، وتقييم النتائج.

كما تحتاج المرحلة المقبلة إلى تواصل حكومي أكثر وضوحا وفاعلية، يقوم على تقديم المعلومات المؤكدة، وتفسير القرارات، والتعامل مع الأزمات بشفافية، بما يحد من انتشار الشائعات ويعزز ثقة المواطنين. وينبغي أن يمتد هذا النهج إلى الحوار السياسي، عبر توضيح مساره ومخرجاته، وإطلاع الرأي العام على ما تحقق من تقدم، دون الإضرار بحقوق الأطراف أو بطبيعة المداولات.

وفي المحصلة، تضع استقالة الحكومة موريتانيا أمام اختبار يتجاوز إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي. فأزمة صونلك تثير أسئلة حماية المال العام وكفاءة التسيير، وملف مدوني الخارج يطرح تحديات التوازن بين الحقوق والواجبات، بينما يمثل الحوار المرتقب فرصة لاختبار قدرة الفرقاء السياسيين على إدارة الاختلاف وبناء تفاهمات تخدم البلاد.

إن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيتولى الحقائب الوزارية، بل بطبيعة المرحلة التي ستبدأ بعدها: هل ستشهد إصلاحا ملموسا في الأداء الحكومي، وانفتاحا سياسيا أوسع، وحوارا جادا يراعي مصالح مختلف الفرقاء؟

فموريتانيا تحتاج إلى حكومة فعالة في التسيير ومنفتحة على الحوار، وإلى توافق وطني لا يلغي الاختلاف، بل ينظمه في إطار القانون والمؤسسات. وستتحدد قيمة التغيير المرتقب بمدى قدرة الحكومة الجديدة على تحويل الأزمات إلى فرص للإصلاح، والحوار إلى نتائج ملموسة، والثقة بين الدولة والمجتمع إلى أساس للاستقرار والتنمية.