لماذا ستسقط سيناريوهات تفكيك السعودية وتمدد الميليشيات؟ / محمد السالك ولد إبراهيم

لطالما تصدرت سيناريوهات "إعادة رسم الخرائط" أو "حدود الدم" أدراج بعض مراكز الأبحاث والدوريات الغربية، حيث طُرحت وتطرح افتراضات نظرية تتحدث عن تقسيم دول الشرق الأوسط المركزية على أسس جيوسياسية طائفية أو مناطقية أو سوسيو-اقتصادية. 
وفي قلب هذه الطروحات، تبرز دائما حالة المملكة العربية السعودية كهدف متكرر لهذه التكهنات. و يرافق ذلك غالبا، ضخ إعلامي موازٍ حول قدرة ميليشيات إقليمية، كجماعة الحوثي، على استغلال التباينات المذهبية لاختراق الحدود وتحقيق نوع من التغلغل داخل المجتمع السعودي.

إلا أن القراءة المتعمقة لواقع الدولة السعودية، بنيوياً وعسكرياً وديموغرافياً، تكشف أن هذه السيناريوهات لا تعدو كونها مجرد "أمنيات استشرافية" تفتقر إلى أدنى مقومات القابلية للتطبيق على أرض الواقع، بسبب عدة عوامل جوهرية نذكر منها:

-أولاً- مناعة الدولة الوطنية:
إن الافتراض بأن السعودية قابلة للتفكك أو للتقسيم يتجاهل مساراً تاريخيا طويلاً من التوطيد المؤسسي والسياسي لأركان الدولة السعودية الحديثة؛ وهي الدولة التي لم تُبنَ على تحالفات هشة، بل تأسست على اندماج عميق بين أقاليمها المتعددة ومجتماعتها المحلية ضمن مركزية وطنية صلبة، ظلت تتعزز باستمرار. ويمكن إبراز أهم مقومات منعتها من خلال ما يلي:

1 - المركزية التنموية والاقتصادية:
ترتبط كافة أطراف المملكة-أرضا وشعبا-  بالمركز من خلال شبكة معقدة من الولاءات القوية و المصالح الحيوية، والبنية التحتية المشتركة، والمشاريع الاستراتيجية الكبرى والمفيدة. وقد تعزز كثيرا هذا الترابط مع إطلاق "رؤية 2030"، عبر تحويل المناطق المختلفة للمملكة إلى روافد اقتصادية تتكامل وتنسجم ضمن ديناميكية وطنية تنموية هائلة، مما يجعل من فكرة الانفصال الجغرافي انتحاراً اقتصادياً لأي منطقة؛ فضلا عن كونه لم يطرح كمطلب حيوي لأي من الأقاليم في أي يوم من الأيام.

2 - صعود الهوية الوطنية: يشهد المجتمع السعودي تحولاً جذرياً نحو تكريس رابط "القومية" السعودية كخيط ناظم وإطار جامع لكافة مواطني المملكة، يتجاوز الانتماءات القبلية أو المذهبية الفرعية. وهذا الاصطفاف حول مؤسسة الحكم ومفهوم الدولة الوطنية الحديثة يُبطل فعالية أي خطاب خارجي يحاول اللعب على وتر تأجيج أو استغلال الهويات المحلية والفرعية.

3- المظلة الدولية الواقية: يُمثل استقرار السعودية ضرورة وجودية للاقتصاد العالمي ولأمن الطاقة في حقبة حساسة ومضطربة من التاريخ المعاصر يمر بها العالم أجمع. وبالتالي فإن أي تهديد قد يمس وحدة أراضيها يعني اضطراباً مباشراً في الشرايين الحيوية للتجارة الدولية، وفي سلاسل التزويد بمنتجات الطاقة الحيوية للعالم أجمع. وهي الوضعية التي تخلق إجماعاً استراتيجياً دولياً على حماية الكيان السعودي من أي سيناريوهات تفكيك أو تقسيم محتملة.

وبهذا، يتضح جليا بأن سيناريوهات التفكك أو التقسيم التي يتم الترويج لها بأشكال مختلفة -من حين لآخر- لا تستند  إلى أي أسس سياسية منطقية أو واقعية؛ لأن قابلية نقاش مثل تلك الفرضيات من الناحية العلمية، تتطلب عادةً اجتماع عوامل أساسية تبرر إمكانية البناء عليها، مثل وجود انقسامات داخل النخبة الحاكمة، أوتصدعات في مؤسسات الأمن والدفاع، أو ظهور صراعات داخلية ممتدة، أو بروز سلطات محلية منشقة، قادرة على فرض سيطرتها على مناطق معينة من البلاد خارج سلطة الدولة السعودية المركزية، وربما أيضا وجود تدخلات خارجية واسعة النطاق ومؤثرة. وكل هذه الشروط الموضوعية غير متوفرة - الحمد لله- في الحالة السعودية. بل إن المجازفة بالقول إن مجرد وجود جماعة مسلحة مهما كانت قوية مثل الحوثيين، على الحدود السعودية لا يكفي وحده لتحقيق هذه الشروط مهما يكن من أمر.

-ثانياً- موازين القوى واستحالة التمدد الميليشياوي
من الناحية العسكرية والاستراتيجية:

يُعد الحديث عن إمكانية سيطرة جماعة الحوثي على أقاليم سعودية مجاورة لليمن، مجرد دعاية سياسية فارغة تتصادم مع حقائق الميدان والجغرافيا، بفعل ما يلي:

1 - طبيعة المعركة والفجوة التسليحية: 
تُصنف ميليشيا الحوثي كحركة تمرد تخوض "حرب عصابات" غير متناظرة. وتتركز قدرتها أساسا في إحداث الإزعاج الأمني عبر الطائرات المسيرة أو الصواريخ الباليستية. وهي أدوات قد تكون صالحة للاستنزاف ولكنها أعجز من أن تُستخدم في اجتياح أراضٍ جغرافية شاسعة والاحتفاظ بها. و في المقابل، تمتلك السعودية ترسانة عسكرية متنوعة وهائلة ومنظومات دفاعية من أحدث طراز في العالم. وتتميز قدراتها العسكرية بتفوق جوي مطلق، وبقوة نيران كاسحة، وشبكة رصد استخباراتي تجعل من أي تحرك عسكري بري واسع للميليشيات الحوثية بمثابة هدف مكشوف معرض للإبادة الفورية؛

2- الجغرافيا كعامل ردع:
تتميز الحدود الجنوبية للمملكة (جازان، وعسير، ونجران) بتضاريس جبلية وعرة من جهة خط التماس، تليها مساحات شاسعة ومفتوحة. وهذه الجغرافيا بطبيعتها، تمنع أي قوات غير نظامية- تفتقر للغطاء الجوي وخطوط الإمداد اللوجستي الآمنة- من التقدم فيها أو محاولة التمركز على تخومها.

-ثالثاً- الديموغرافيا السعودية كحائط صد، لا كثغرة اختراق:

لعل أكثر النقاط التي يتم الاستناد إليها في مثل هذه التحليلات السطحية والافتراضية، هي ورقة "التواجد الشيعي" داخل المجتمع السعودي، الذي يتم تصويره ضمن بعض السيناريوهات على أنه "حصان طروادة" محتمل. 
ولكن، يتضح بشيء من التمعن والتقصي الموضوعي بأن مثل هذه الإفتراضات  إنما تنم عن جهل مركب بطبيعة التركيبة الثقافية والمجتمعية والعقدية في المملكة، حيث أن:

1 - التباين العقائدي الجذري من خلال المذهب الإسماعيلي السليماني، يتركز في منطقة نجران الحدودية. ويقف هذا المذهب عقائدياً وتاريخياً، على النقيض تماماً من المذهب الزيدي بشقه "الجارودي" الحوثي ذي الارتباط بنظرية ولاية الفقيه الإيرانية. وتكاد لا توجد أي مشتركات أيديولوجية أو سياسية يمكن أن تُشكل أرضية لتعاطف مجتمعات نجران مع المشروع الحوثي.

2- الولاء القبلي والوطني المطلق:
تعد قبائل "يام" في نجران، إلى جانب قبائل جازان وعسير، من أشرس المدافعين عن كينونة المملكة العربية السعودية. ولقد أثبتت هذه المكونات الاجتماعية خلال عقود من الصراع، أنها تمثل خط الدفاع الأول عن الحدود، وتعتبر انتمائها للدولة السعودية جزءاً لا يتجزأ من شرفها القبلي والوطني؛

3 - عزلة الأطراف عن المشاريع الإقليمية:
أما طائفة الشيعة الإثنا عشرية فهي تتواجد في المنطقة الشرقية (القطيف والأحساء)، وبالتالي فهي يبعد جغرافيا آلاف الكيلومترات عن مسرح الصراع اليمني الحالي. ومن الجدير بالذكر أن هذه المناطق تشهد اليوم أزهى فترات الاندماج الوطني والتطور العمراني والاقتصادي والتنموي. 
وقد أثبتت الأزمات المتعاقبة فشل محاولات تصدير الثورة أو استنساخ نماذج التمرد الإقليمية في هذه المجتمعات التي اختارت منذ البداية، الانحياز التام لمشروع الدولة الوطنية السعودية والإلتزام بالقيام بواجباتها الوطنية باعتبارها تتمتع بمواطنة كاملة.

ومنتهى القول إن سيناريوهات التقسيم أو الاختراق الحدودي ستسقط تماماً عند اختبارها على صخرة الواقع. فالدولة السعودية تمتلك مناعة مركبة تتمثل في جهاز أمني وعسكري متفوق، وتماسك مجتمعي محصن بهوية وطنية صلبة، وتركيبة ديموغرافية ترفض وتلفظ أي مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود. أما الكثير مما يُكتب في بعض أروقة مراكز الأبحاث وفي بعض وسائل الإعلام شرقا وغربا، فهو يظل أسيراً للتنظير الذي لا يعكس ديناميكيات القوة الحقيقية على الأرض.

إن أي تقييم موضوعي لسيناريوهات تقسيم أو تفكك السعودية يجب أن يستند إلى مؤشرات فعلية تتعلق مثلا بتغير السيطرة، أو ضعف تماسك الدولة نفسها، لا إلى مجرد خرائط افتراضية وخطابات تحريضية طائفية لا تلاقي أي آذان صاغية.