المراعي في موريتانيا خلال عام 2026: اختلال الإنتاج الرعوي وتحديات الأعلاف ومستقبل الثروة الحيوانية بقلم: المهندس محمد محمود محمد الامين طالبن قراءة ميدانية في واقع القطاع الرعوي وآفاق التدخل

مقدمة

تُعد الثروة الحيوانية إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الموريتاني، ومصدرًا رئيسيًا للدخل والغذاء والتشغيل، كما تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الاجتماعية والثقافية للمجتمع الموريتاني. غير أن استدامة هذا القطاع تظل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمدى توفر المراعي الطبيعية والمياه، وبقدرة المنظومة الرعوية على مواجهة التقلبات المناخية وتراجع الموارد الطبيعية.

وخلال مهمة ميدانية شملت ولايات الحوضين ولعصابة وتكانت ولبراكنة والترارزة، برزت ملاحظات مقلقة بشأن وضع المراعي خلال الموسم الحالي، تمثلت في ضعف الغطاء النباتي واختلال توزيعه المكاني، مع شح واضح في عدد من المناطق الرعوية المعروفة التي اعتادت استقبال أعداد كبيرة من المواشي خلال هذه الفترة من السنة.

وتكتسب هذه الملاحظات أهمية خاصة في ظل المؤشرات الوطنية التي تشير إلى تراجع إنتاج الكتلة النباتية الرعوية خلال موسم 2026، الأمر الذي يستدعي قراءة متأنية لأسباب الاختلال وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية، خصوصًا على سوق الأعلاف الجافة والمركزة، وعلى أوضاع المنمين وقدرتهم على المحافظة على قطعانهم.

أولًا: موسم رعوي يتسم بالتفاوت الحاد وشح الموارد

لا تتمثل المشكلة الرعوية خلال سنة 2026 في غياب الأمطار عن جميع المناطق، بل في التفاوت المكاني والزماني للتساقطات، وتأثير ذلك على نمو الغطاء النباتي واستمراريته وقدرته على توفير الغذاء للمواشي.

فبحسب نشرة منتصف الموسم المنشورة في سبتمبر 2026، لم يتجاوز إنتاج الكتلة النباتية الرعوية على المستوى الوطني 85% من متوسط الفترة المرجعية 1999–2025، مقابل 140% خلال سنة 2025 و151% خلال سنة 2024. وتكشف هذه المقارنة عن تراجع ملحوظ في الموارد العلفية الطبيعية مقارنة بالموسمين السابقين.

وتبدو الصورة أكثر وضوحًا عند النظر إلى بعض الولايات؛ إذ بلغت مؤشرات الكتلة النباتية نحو 59% من متوسطها التاريخي في تكانت، و65% في لبراكنة، و79% في لعصابة، و80% في الحوض الغربي، و90% في الحوض الشرقي. وفي المقابل، سجلت الترارزة نحو 121% من المتوسط المرجعي، وهو ما يؤكد أن الوضع يختلف من منطقة إلى أخرى، ولا يمكن تعميم مستوى واحد من الشح على كامل البلاد.

وتتفق هذه المؤشرات، في جانب مهم منها، مع الملاحظات الميدانية التي تكشف عن وجود مناطق رعوية لم تحقق هذا الموسم المستوى المعتاد من الإنتاج، سواء بسبب تأخر الأمطار أو ضعفها أو عدم انتظامها، أو نتيجة التفاوت في توزيعها خلال مراحل نمو النباتات الرعوية.

ثانيًا: مناطق رعوية تواجه ضغطًا متزايدًا

إن شح المراعي في مناطق من تكانت ولبراكنة ولعصابة والحوضين لا يمثل مجرد تراجع في الغطاء النباتي، بل قد يؤدي إلى تغيرات واسعة في حركة القطعان وأنماط الانتجاع، خصوصًا مع اقتراب الفترة الجافة.

فعندما تعجز المراعي المحلية عن توفير احتياجات القطعان، يضطر المنمون إلى البحث عن مناطق بديلة تتوفر فيها الأعشاب والمياه، مما يؤدي إلى تركز أعداد أكبر من المواشي في المساحات التي لا تزال تحتفظ بغطاء نباتي مقبول.

ويترتب على ذلك ضغط متزايد على الموارد المتاحة، واحتمال نشوء تنافس أكبر على نقاط المياه والمناطق الرعوية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف التنقل والإقامة وتأمين احتياجات القطعان.

كما أن انتقال المواشي من المناطق المتضررة إلى المناطق الأقل تأثرًا لا يحل المشكلة بالضرورة، بل قد ينقل الضغط الرعوي من منطقة إلى أخرى، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع ضعف البنية التحتية المائية ومحدودية الموارد العلفية البديلة.

ومن هنا، فإن التعامل مع الوضع يتطلب رؤية وطنية تتجاوز الحدود الإدارية للولايات، وتربط بين مراقبة المراعي وحركة القطعان وتوفر المياه والأسواق ومخزونات الأعلاف.

ثالثًا: انعكاسات الشح الرعوي على سوق الأعلاف الجافة والمركزة

يمثل توفر الأعلاف الجافة والمركزة عنصرًا حاسمًا في قدرة المنمين على مواجهة فترات نقص المراعي الطبيعية. غير أن تراجع الإنتاج الرعوي يرفع الطلب على هذه الأعلاف، في وقت قد تواجه فيه الأسواق تحديات تتعلق بتوفر الكميات وتكاليف النقل والتخزين والقدرة الشرائية للمربين.

وتبرز هنا ثلاث مشكلات رئيسية:

1. زيادة الطلب على الأعلاف الجافة: عندما تتراجع الأعشاب الطبيعية، يتجه المنمون إلى شراء التبن والأعلاف المجففة والمخلفات الزراعية لتغطية جزء من الاحتياجات الغذائية للقطعان. وقد يؤدي تزامن هذا الطلب في عدة ولايات إلى زيادة المنافسة على الكميات المتاحة وارتفاع الأسعار، خاصة في المناطق البعيدة عن مصادر الإنتاج والأسواق الكبرى.

2. ارتفاع الحاجة إلى الأعلاف المركزة: تحتاج القطعان، ولا سيما الحيوانات الحلوب والإناث الحوامل والمرضعات والحيوانات الضعيفة، إلى تغذية متوازنة توفر الطاقة والبروتين والمعادن. ومع تراجع المراعي، قد يلجأ المربون إلى الأعلاف المركزة، مثل خلطات الحبوب والنخالة وكسب البذور الزيتية، حسب احتياجات الحيوان وتوفر المنتجات. لكن هذه الأعلاف قد تكون مكلفة، ولا يستطيع جميع المنمين استخدامها بالكميات الضرورية.

3. تفاوت القدرة على مواجهة الأزمة: يستطيع المربون الذين يملكون موارد مالية أو مخزونًا علفيًا أو إمكانية الوصول إلى الأسواق التعامل مع النقص بدرجة أفضل من الأسر الرعوية محدودة الموارد. أما هذه الأسر فقد تضطر إلى تقليص الإنفاق على التغذية أو بيع بعض الحيوانات لتغطية النفقات، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع أوزان المواشي وإنتاج الحليب، وزيادة المخاطر المرتبطة بصحة القطعان.

ومن المهم التأكيد أن حجم النقص الفعلي في المعروض من الأعلاف الجافة والمركزة، ومقدار الزيادة في أسعارها خلال الموسم الحالي، يحتاجان إلى بيانات ميدانية حديثة من الأسواق والموردين ومخازن الأعلاف. فمؤشرات تراجع المراعي تدل على احتمال تصاعد الضغط على سوق الأعلاف، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات نسبة محددة لارتفاع الأسعار أو حجم العجز التجاري.

رابعًا: ثروة حيوانية ضخمة في مواجهة قاعدة رعوية متقلبة

تتضح خطورة الوضع عندما نضعه في سياق حجم الثروة الحيوانية الوطنية. فقد أظهرت نتائج التعداد العام للثروة الحيوانية لسنة 2024 أن عدد رؤوس الأنواع الرئيسية بلغ 29,339,913 رأسًا، موزعة على النحو التالي:

- الأغنام: 13,915,459 رأسًا.
- الماعز: 7,275,809 رؤوس.
- الأبقار: 6,147,368 رأسًا.
- الإبل: 2,001,277 رأسًا.

وتعكس هذه الأرقام حجم المسؤولية المرتبطة بتأمين الموارد الغذائية والمائية لهذا الرصيد الحيواني الكبير، خصوصًا أن جزءًا مهمًا من أنظمة التربية في موريتانيا يعتمد على المراعي الطبيعية ويتأثر مباشرة بتقلبات الأمطار وتدهور الغطاء النباتي.

وتبرز أهمية الحوض الشرقي بصفة خاصة؛ إذ أظهرت نتائج التعداد أن هذه الولاية تستحوذ على نحو 33% من إجمالي القطيع الوطني، تليها ولايات أخرى ذات ثقل رعوي معتبر، من بينها الحوض الغربي والترارزة ولعصابة ولبراكنة.

وبالتالي، فإن أي اختلال في الموارد الرعوية بالمناطق التي تحتضن أعدادًا كبيرة من المواشي يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز المنمين المحليين، لتطال حركة الحيوانات وأسواق اللحوم والألبان وتكاليف الإنتاج على المستوى الوطني.

خامسًا: مكانة الثروة الحيوانية في الاقتصاد والتشغيل

لا يمكن النظر إلى الأزمة الرعوية باعتبارها قضية بيئية معزولة، لأنها ترتبط مباشرة بقطاع اقتصادي واجتماعي واسع التأثير.

وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن تربية المواشي تسهم بنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي الموريتاني، وتوفر فرص عمل لنحو 11% من السكان النشطين، ما يجعلها أحد أهم مصادر الدخل والتشغيل، خصوصًا في المناطق الريفية.

كما أن القطاع يساهم في توفير اللحوم الحمراء والحليب والجلود، وينشط سلاسل اقتصادية تشمل نقل المواشي وتسويقها وبيع الأعلاف والخدمات البيطرية والتجارة والتحويل والتوزيع.

ومن ثم، فإن تراجع المراعي لا يؤثر على الحيوان وحده، بل ينعكس على دخل المنمين، وعلى العاملين في الأسواق والخدمات المرتبطة بالقطاع، وعلى قدرة الأسر الريفية على توفير احتياجاتها الأساسية.

وقد يؤدي استمرار ضعف الموارد العلفية إلى ارتفاع تكاليف تربية الحيوانات، وتراجع إنتاجيتها، واضطرار بعض المربين إلى بيع جزء من قطعانهم. وإذا اتسع نطاق هذه الظاهرة، فقد تتأثر كميات الحيوانات المعروضة للبيع في فترات لاحقة، كما قد ترتفع تكلفة إنتاج الحليب واللحوم.

ومن المهم هنا التمييز بين الأثر المباشر والأثر المحتمل: فتراجع المراعي يرفع مخاطر زيادة تكاليف الإنتاج، لكن تحديد مقدار تأثيره على أسعار اللحوم والألبان يحتاج إلى متابعة فعلية للأسواق والإنتاج خلال الأشهر المقبلة.

سادسًا: المساحات الرعوية وتحدي الاستدامة

تتمتع موريتانيا بمساحات شاسعة ذات طابع صحراوي وشبه صحراوي، وتحتل المناطق الجافة الحيز الأكبر من أراضيها. غير أن المساحة الإجمالية للبلاد لا تعكس بالضرورة المساحة الرعوية المنتجة أو قدرتها على تحمل أعداد محددة من الحيوانات.

فالمراعي الطبيعية تتباين من حيث كثافة الغطاء النباتي، ونوعية الأعشاب، ومدة بقائها، وتوفر المياه، وقابلية التجدد بعد الرعي. كما أن جزءًا من الأراضي قد يكون رعويًا خلال فترة قصيرة من السنة، ثم تتراجع قدرته الإنتاجية مع ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الأمطار.

ولهذا، فإن إدارة الثروة الحيوانية لا ينبغي أن تقوم على عدد الرؤوس وحده، بل يجب أن تستند إلى تقدير القدرة الاستيعابية للمراعي، وقياس إنتاج الكتلة النباتية، ومتابعة حالة التربة والغطاء الشجري، وتحديد احتياجات القطعان من الأعلاف والمياه.

كما تبرز أهمية استعادة الأراضي المتدهورة، وحماية النباتات المحلية، وتنظيم الرعي في المناطق الحساسة، وتوسيع زراعة الأعلاف حيث تتوفر المياه والظروف المناسبة، بما يقلل الاعتماد الكامل على الموارد الطبيعية المتقلبة.

سابعًا: البعد الأمني في الجارة مالي وإغلاق الحدود

لا يمكن تحليل الوضع الرعوي في موريتانيا، ولا سيما في الحوضين، بمعزل عن التطورات الأمنية في الجارة مالي. فقد ظلت المناطق المالية المحاذية للحدود، بحكم اتساع المراعي وتداخل المسارات التقليدية للانتجاع، تمثل عمقًا استراتيجيًا مهمًا للمنمين الموريتانيين، ومجالًا تلجأ إليه القطعان خلال فترات شح المراعي داخل البلاد.

غير أن تدهور الوضع الأمني في أجزاء واسعة من مالي، وما رافقه من انتشار الجماعات المسلحة وتزايد مخاطر العنف والاختطاف والنهب، جعل الحركة الرعوية عبر الحدود أكثر خطورة وتعقيدًا. كما أن إغلاق الحدود الموريتانية المالية يحد من قدرة المنمين على الوصول إلى المراعي والأسواق ومصادر المياه في الجانب المالي، ويمنع أو يقلص مسارات الانتجاع التي كانت تخفف الضغط عن المراعي الموريتانية خلال المواسم الصعبة.

ويترتب على ذلك أن جزءًا من الضغط الذي كان يُمتص خارج الحدود أصبح يتركز داخل الأراضي الموريتانية، خصوصًا في الحوضين والمناطق القريبة من الحدود. وقد يؤدي هذا الوضع إلى زيادة كثافة القطعان في مناطق محدودة، وتسارع استنزاف الغطاء النباتي، وارتفاع الطلب على المياه والأعلاف، فضلًا عن زيادة تكاليف النقل والبحث عن مناطق بديلة.

كما أن إغلاق الحدود لا ينعكس على الرعي وحده، بل يؤثر في تجارة المواشي وحركة التجار والعمال الموسميين وتبادل السلع والخدمات المرتبطة بالقطاع. وفي المقابل، فإن استمرار الوضع الأمني غير المستقر يجعل إعادة فتح الحدود أو تنظيم الحركة عبرها مسألة مرتبطة بتقييمات أمنية دقيقة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها إجراءً اقتصاديًا أو رعويًا فقط.

ومن الضروري، في هذه الظروف، تعزيز التنسيق بين السلطات الأمنية والإدارية والفاعلين الرعويين، وتوفير معلومات محدثة حول المناطق الآمنة ومسارات الحركة، مع تطوير بدائل داخلية تشمل فتح أو تأهيل مراعي احتياطية، وصيانة نقاط المياه، وإنشاء مخزونات استراتيجية من الأعلاف قرب المناطق الحدودية. كما ينبغي دعم آليات الإنذار المبكر والتواصل مع المجتمعات المحلية للحد من مخاطر التسلل والاحتكاكات والعبور غير المنظم.

ولا يعني إغلاق الحدود انتهاء الروابط الاجتماعية والاقتصادية بين سكان المناطق الحدودية، لكنه يفرض إدارة أكثر حذرًا لهذه الروابط، بما يوازن بين ضرورات الأمن وحماية سبل عيش المنمين، ويمنع تحول الضغط الرعوي إلى عامل إضافي للتوتر وعدم الاستقرار.

ثامنًا: ما المطلوب لمواجهة الوضع؟

إن المؤشرات الحالية تستدعي التحرك المبكر، بدل انتظار تفاقم النقص في المراعي أو وصول القطعان إلى مرحلة الضعف الشديد. ويمكن أن يشمل التدخل مجموعة من الإجراءات العملية:

أولًا: إنشاء آلية ميدانية سريعة لمتابعة المراعي.
ينبغي جمع معلومات دورية من الولايات والمقاطعات والبلديات الرعوية حول حالة الغطاء النباتي، وتوفر المياه، وكثافة القطعان، ومناطق الشح، واتجاهات حركة الانتجاع. ويمكن دمج هذه المعلومات مع صور الأقمار الصناعية والبيانات المناخية لإعداد خريطة وطنية للمناطق الأكثر تعرضًا للعجز العلفي.

ثانيًا: رصد سوق الأعلاف الجافة والمركزة.
من الضروري متابعة أسعار التبن والمخلفات الزراعية والأعلاف المركزة، والكميات المتاحة، وتكاليف النقل، ومصادر التموين، مع إعطاء أولوية للمناطق التي تظهر فيها فجوات واضحة بين احتياجات القطعان والمعروض من الأعلاف.

ثالثًا: دعم المنمين الأكثر هشاشة.
يمكن دراسة آليات دعم موجهة ومؤقتة للأسر الرعوية المتضررة، وتسهيل حصولها على الأعلاف بأسعار معقولة، وفق معايير شفافة تستند إلى درجة الشح وحجم القطيع ومستوى هشاشة الأسرة، مع تجنب الإجراءات التي قد تؤدي إلى تشوهات مستدامة في السوق.

رابعًا: تعزيز الإنتاج المحلي للأعلاف.
يتطلب الحد من التبعية للمراعي الطبيعية التوسع التدريجي في زراعة الأعلاف الملائمة للبيئات المحلية، والاستفادة من المخلفات الزراعية بعد معالجتها عند الحاجة، وتطوير وحدات لتخزين الأعلاف وحفظها خلال المواسم الجيدة حتى يمكن استخدامها في فترات العجز.

خامسًا: تحسين إدارة المياه والانتجاع.
يجب صيانة نقاط المياه الرعوية، وتحسين توزيعها، وتوجيه حركة القطعان بما يحد من الضغط المفرط على مناطق محددة. كما ينبغي تعزيز التنسيق بين الولايات والسلطات المحلية والمنمين لتقليل الاحتكاكات المحتملة حول الموارد النادرة.

سادسًا: تطوير بدائل للمراعي العابرة للحدود.
في ظل إغلاق الحدود مع مالي واستمرار المخاطر الأمنية، ينبغي إعداد خطة طوارئ للمراعي الداخلية، تتضمن تحديد مناطق احتياطية، وتأهيل نقاط المياه، وتوفير الأعلاف في الممرات الرعوية، وتنظيم حركة القطعان داخل البلاد بما يخفف الضغط عن المناطق الأكثر تضررًا.

سابعًا: دعم البحث والرصد والتخطيط.
تستدعي المرحلة تطوير قاعدة بيانات وطنية تجمع بين تعداد المواشي، وإنتاج المراعي، والأمطار، والأسعار، وحركة القطعان، ومؤشرات الحالة الصحية للحيوانات. ومن شأن ذلك أن يساعد على الانتقال من التدخل بعد وقوع الأزمة إلى التنبؤ بها والاستعداد لها.

خاتمة

إن وضع المراعي خلال سنة 2026 يبعث على القلق، ليس لأن جميع مناطق البلاد تعاني الدرجة نفسها من الشح، بل لأن عددًا من المناطق الرعوية المهمة سجل تراجعًا واضحًا في إنتاج الكتلة النباتية، في وقت تعتمد فيه شريحة واسعة من السكان على الثروة الحيوانية مصدرًا للرزق والأمن الغذائي.

وتزداد حساسية الوضع بسبب تدهور الظروف الأمنية في الجارة مالي وإغلاق الحدود، الأمر الذي حرم المنمين من جزء مهم من العمق الرعوي والاستراتيجي الذي كانوا يعتمدون عليه خلال فترات الجفاف أو ضعف الإنتاج المحلي. وبذلك لم تعد الأزمة مرتبطة بالمناخ والغطاء النباتي فقط، بل أصبحت متصلة أيضًا بالأمن الحدودي وحركة السكان والقطعان والتجارة.

وتكشف الملاحظات الميدانية، إلى جانب المؤشرات الوطنية المتاحة، عن ضرورة التعامل مع المسألة باعتبارها تحديًا اقتصاديًا وبيئيًا وأمنيًا واجتماعيًا متكاملًا. فالمطلوب ليس فقط تأمين الأعلاف في فترة النقص، وإنما بناء منظومة رعوية أكثر قدرة على الصمود أمام التقلبات المناخية والاضطرابات الإقليمية، تقوم على تحسين إدارة الموارد الطبيعية، وتنويع مصادر التغذية، وتطوير الإنتاج المحلي للأعلاف، وتعزيز نظم الإنذار المبكر والتنسيق الحدودي.

إن المحافظة على ثروة وطنية تناهز 29.34 مليون رأس من المواشي تقتضي حماية القاعدة الطبيعية التي تقوم عليها هذه الثروة، وتعويض جزء من الوظائف التي كانت تؤديها المراعي العابرة للحدود. فالمراعي ليست مجرد مساحة تنبت فيها الأعشاب، بل هي رصيد اقتصادي استراتيجي يرتبط به استقرار الأسر الريفية، واستدامة الإنتاج الحيواني، والأمن الغذائي، والتنمية المحلية، والاستقرار في المناطق الحدودية.

ومن هنا، فإن الاستثمار في المراعي والأعلاف والمياه والأمن الرعوي ليس إنفاقًا ظرفيًا لمواجهة موسم صعب، بل هو استثمار مباشر في مستقبل الثروة الحيوانية وفي قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات المناخية والأمنية المتكررة.