في عالمٍ تتسارع فيه التهديدات وتتبدل فيه أشكال الصراع، لم تعد الدول الرشيدة تنتظر الخطر حتى يطرق أبوابها، بل تسعى إلى إغلاق المنافذ التي يمكن أن ينفذ منها قبل أن يتحول إلى أزمة. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة العفو الرئاسي الذي أصدره فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بحق سجناء أجروا مراجعات فكرية عميقة وتخلوا عن قناعات الغلو والتطرف، باعتباره حلقة في استراتيجية وطنية متكاملة قوامها التحصين الاستباقي لا رد الفعل المتأخر.
فالانتصارات الكبرى لا تتحقق دائما في ساحات المواجهة، بل كثيرا ما تحسم قبل أن تبدأ المعركة أصلا. وعندما تنجح الدولة في تصحيح الأفكار التي تنتج التطرف، فإنها تكون قد أغلقت الطريق أمام تهديدات مستقبلية كان يمكن أن تتخذ أشكالا أكثر خطورة وتعقيدا.
لقد أدرك الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن منطقة الساحل الإفريقي لم تعد تواجه تحديا أمنيا تقليديا، بل معركة مركبة تتداخل فيها الاعتبارات الفكرية والدينية والاجتماعية والاقتصادية. ولذلك جاءت رعايته المستمرة للمؤتمرات العلمية ومنابر الحوار ومبادرات تعزيز السلم باعتبارها جزءا من منظومة الأمن الوطني، لا مجرد نشاطات ثقافية أو فكرية معزولة عن الواقع.
وفي هذا السياق، شكلت مؤتمرات السلم ونبذ الغلو والتطرف، التي احتضنتها موريتانيا تحت الرعاية السامية لفخامة الرئيس، فضاءات استراتيجية لإعادة بناء الوعي وتصحيح المفاهيم. فقد أسهمت في صقل العقول وترسيخ القناعات وتجفيف المنابع الفكرية التي تتغذى عليها خطابات التشدد، وهو ما جعلها خط الدفاع الأول قبل أن يصبح التدخل الأمني ضرورة.
فالتجارب أثبتت أن التنظيمات المتطرفة لا تبدأ ببندقية، وإنما تبدأ بفكرة. ولا تنشأ في الجبال والصحارى قبل أن تنشأ في العقول. ومن هنا فإن تفكيك خطاب التطرف وإعادة بناء القناعة السليمة يمثلان أعظم انتصار يمكن أن تحققه الدولة في معركتها ضد الغلو وهذا ماذهبت إليه مجلة «جون أفريك» الفرنسية التي تعتبر نجاح موريتانيا في الحفاظ على استقرارها الأمني وتجنب الهجمات الجهادية الكبرى خلال أكثر من عقد، رغم التحديات الأمنية التي تشهدها منطقة الساحل.
وإذا كانت بعض الدول تنشغل بمواجهة نتائج التطرف بعد ظهوره، فإن موريتانيا اختارت أن تتعامل مع أسبابه قبل استفحالها؛ فالمراجعات الفكرية التي قادت إلى هذا العفو الرئاسي ليست مجرد إجراءات قانونية أو إنسانية، بل تمثل نجاحا لمقاربة استباقية استطاعت أن تحول مسار أفراد من دائرة الخطر المحتمل إلى دائرة الاندماج الإيجابي داخل المجتمع.
وفي بيئة إقليمية تشهد اضطرابات متواصلة وتمددا للجماعات المسلحة عبر الحدود، تبرز قيمة هذا النهج أكثر من أي وقت مضى. فالدولة التي تكسب معركة العقول تقلص الحاجة إلى معارك الميدان، والدولة التي تحصن مجتمعها فكريا تجعل أمنها أكثر رسوخا واستدامة.
إنها رؤية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني للأمن والاستقرار: أمن لا يكتفي بحراسة الحدود، بل يحرس الوعي؛ ولا ينتظر الخطر حتى يقع، بل يسعى إلى منع أسبابه من التشكل. رؤية تجعل من العلم شريكا للأمن، ومن الحوار شريكا للقوة، ومن بناء الإنسان خط الدفاع الأول عن الدولة.
ومن هنا فإن العفو الرئاسي الأخير لا يمثل نهاية مسار، بل ثمرة مسار طويل من التحصين الفكري والاستباق الاستراتيجي، ويؤكد أن موريتانيا ماضية في ترسيخ نموذجٍ قوامه أن الوقاية خير من المواجهة، وأن كسب العقول هو الطريق الأقصر إلى كسب معركة الاستقرار والتنمية في منطقة الساحل الإفريقي.

