لم يعد مقبولا أن يدار الشأن السياسي في موريتانيا بمنطق المناورة الدائمة، ولا أن يختزل الوطن في حسابات آنية، أو رهانات شخصية، أو صراعات مؤجلة تعاد إنتاجها كلما لاحت فرصة للتوافق.
فنحن اليوم أمام لحظة اختبار حقيقي، لا للخطابات، بل للضمير السياسي.
إن الحوار السياسي المرتقب لا يحتمل مزيدا من العبث، ولا يصلح أن يكون واجهة شكلية لتدوير الأزمة أو شراء الوقت. فالشعب الموريتاني، الذي راكم خيباته عبر سنوات طويلة، لم يعد ينتظر بيانات نوايا، بل إرادة صادقة تترجم إلى مواقف ومسؤوليات واضحة.
لقد آن الأوان لأن يدرك الفرقاء السياسيون—سلطة ومعارضة—أن الوطن أكبر من الجميع، وأن استمرار لغة الشك والتخوين والتعطيل لا يخدم إلا الفراغ، ولا ينتج إلا مزيدا من الاحتقان. فكل طرف يعتقد أنه يربك خصمه، إنما يربك الدولة، ويستنزف ثقة المواطنين في العمل السياسي برمته.
إن الوطنية لا تُقاس بحدة الخطاب، ولا بعدد المواقف المتصلبة، بل بقدرة الفاعل السياسي على تقديم التنازل حين يكون التنازل في مصلحة الوطن، وعلى قول “نعم” عندما تستدعي المرحلة ذلك، كما على قول “لا” عندما تهدد المبادئ العامة. أما الاصطفاف الأعمى، باسم المعارضة أو باسم السلطة، فلم يعد موقفا سياسيا، بل عبثا وطنيا.
والحقيقة التي يجب قولها دون مواربة، هي أن بعض القوى السياسية اعتادت التعامل مع الحوار كأداة ضغط لا كمسار بناء، ومع الدولة كغنيمة لا كمؤسسة، ومع الاختلاف كتهديد لا كحق. وهذا المنطق، مهما اختلفت تبريراته، يقود بالضرورة إلى الانسداد، ويفرغ السياسة من معناها.
كما أن النخب الفكرية والإعلامية ليست بمنأى عن المسؤولية. فالترويج للاستقطاب، وتبرير الفشل، وتزيين المواقف المتناقضة، كلها ممارسات تعمق القطيعة بين المواطن والسياسة، وتسهم في تآكل ما تبقى من الثقة العامة. الصمت هنا ليس حيادا، بل تواطؤ غير معلن.
إن نداء الضمير في هذه اللحظة لا يطلب بطولة زائفة، ولا خطابات عالية السقف، بل يطالب بشيء أبسط وأصعب في آن واحد: الصدق مع الذات، والجرأة في تحمل المسؤولية، والاستعداد لدفع كلفة التوافق. فالدول لا تبنى بالعناد، ولا تدار بالثأر السياسي.
إن فشل هذا الحوار—إن فشل—لن يسجل ضد طرف بعينه، بل ضد طبقة سياسية بأكملها، عجزت عن إدراك أن الزمن تغير، وأن المواطن لم يعد يصدق الروايات الجاهزة، ولا يبرر الإخفاقات المتكررة.
إنها لحظة فاصلة؛
إما حوار يليق باسم الوطن،
وإما ضياع فرصة أخرى ستضاف إلى أرشيف الندم السياسي.
والتاريخ، كما نعلم، لا ينسى… ولا يعذر.

