العمل الخيري .... من الاحسان إلى صناعة الصورة / محمد ولد عمار

ظل العمل الخيري في المجتمع الموريتاني جزءا أصيلا من بنيته الثقافية والدينية، إذ تشكل قيم التكافل والتراحم إحدى السمات البارزة في حياة المجتمع. فمنذ قرون ارتبطت الصدقات، وإطعام المحتاجين، وكفالة الضعفاء، وبناء المساجد والمحاظر بروح دينية عميقة تستند إلى مبدأ الإخلاص وابتغاء الأجر. غير أن التحولات الاجتماعية والإعلامية التي شهدها العالم، وخصوصًا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أدخلت العمل الخيري في سياق جديد يثير أسئلة مشروعة حول الحدود الفاصلة بين الإحسان الخالص والدعاية المقصودة.

في الأصل، يقوم العمل الخيري في الثقافة الإسلامية على قاعدة أخلاقية واضحة: الإخلاص. فالقيمة المعنوية للصدقة لا تقاس فقط بحجمها المادي، بل بنية صاحبها وحرصه على صيانة كرامة المستفيد. وقد درجت المجتمعات التقليدية في موريتانيا على ممارسة هذا النوع من العطاء في صمت؛ حيث كان المتصدق غالبا يحرص على إخفاء فعله قدر الإمكان، إدراكا لفضيلة "صدقة السر" وخشية من أن يتحول العمل إلى وسيلة للسمعة أو الرياء.

لكن مع التحولات الحديثة، أصبح العمل الخيري جزءا من المجال العام، وصار يعرض أحيانا في صور وفيديوهات ومنشورات توثق لحظات التبرع أو توزيع المساعدات. وهنا يبدأ الجدل: هل الهدف هو تشجيع الآخرين على العطاء ونشر ثقافة التضامن، أم أن الأمر يتحول أحيانا إلى استعراض إعلامي يبحث عن الإعجاب والتأثير المجتمعي؟

لا يمكن إنكار أن توثيق العمل الخيري قد يحمل في بعض الأحيان أهدافا إيجابية؛ فالإعلان عن المبادرات قد يساهم في تعبئة المجتمع وتحفيز المتبرعين، كما قد يخلق نوعا من الشفافية لدى الجمعيات والمؤسسات التي تحتاج إلى إظهار كيفية صرف التبرعات. غير أن المشكلة تظهر عندما يتجاوز التوثيق حدود الضرورة ليصبح محور العمل ذاته، فتتحول صورة المحتاج إلى مادة للنشر، ويستدعى الفقير إلى واجهة الكاميرا بدل أن يصان حياؤه وخصوصيته.

ومن هنا تبرز أهمية الضوابط الأخلاقية التي ينبغي أن تحكم العمل الخيري في موريتانيا، خاصة في ظل اتساع المجال الرقمي. ومن أبرز هذه الضوابط:

أولا، صيانة كرامة المستفيد؛ فالفقر حالة اجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى مشهد إعلامي، لأن الكرامة الإنسانية مقدمة على أي غاية دعائية.

ثانيا، الإخلاص في النية؛ فجوهر العمل الخيري هو ابتغاء الخير والعدل الاجتماعي، وليس بناء صورة اجتماعية أو رصيد معنوي في الفضاء العام.

ثالثا، الشفافية المؤسسية؛ خصوصًا بالنسبة للجمعيات والمنظمات، إذ من حق المتبرعين معرفة أوجه صرف أموالهم، لكن دون أن يتحول ذلك إلى استغلال لحاجة الناس.

رابعا، التوازن بين التشجيع والتواضع؛ فالتعريف بالمبادرات قد يكون مطلوبا لتحفيز المجتمع، لكن دون مبالغة أو استعراض يفرغ العمل من روحه الأخلاقية.

إن المجتمع الموريتاني، بما يحمله من إرث ديني وثقافي عريق، قادر على الحفاظ على روح العمل الخيري الأصيلة إذا ما تمسك بالمعايير الأخلاقية التي تجعل العطاء فعلا إنسانيًا قبل أن يكون حدثا إعلاميا. فالقيمة الحقيقية للعمل الخيري لا تكمن في عدد الصور المنشورة، ولا في حجم التفاعل الرقمي، بل في أثره الحقيقي على حياة الناس وفي صدقه.

وفي النهاية، يظل السؤال الأهم: هل يبقى العمل الخيري رسالة تضامن إنساني صامتة كما عرفه المجتمع الموريتاني طويلا، أم يتحول تدريجيا إلى نشاط يوازن بين العطاء والظهور؟

الجواب يتوقف على وعي الفاعلين في المجال الخيري، وعلى قدرتهم في الحفاظ على جوهر الإحسان بعيدا عن ضجيج الدعاية.

رمضان كريم