مهرجان لعصابه… حين تتحول الثقافة إلى مشروع تنموي
في زمن تبحث فيه المجتمعات عن صيغ جديدة للتنمية، لا تعود الثقافة مجرد ترفٍ أو نشاط احتفالي عابر، بل تصبح رافعة حقيقية للاقتصاد، وحاضنة للهوية، وجسرا يربط الماضي بالمستقبل. ومن هذا المنطلق يبرز مهرجان لعصابه للثقافة والتنمية كفكرة تحمل في جوهرها أكثر من مجرد تظاهرة ثقافية؛ إنها محاولة لصياغة نموذج تنموي يتكئ على الخصوصية المحلية ويستثمر في الذاكرة الجماعية.
تملك ولاية لعصابه من المقومات ما يجعلها أرضا خصبة لمثل هذا المشروع. فهي فضاء تتقاطع فيه الجغرافيا بالتاريخ، وتلتقي فيه القيم الاجتماعية العريقة مع مخزون ثقافي غني من الشعر والمحظرة والعادات الأصيلة. هذه العناصر ليست مجرد موروث ساكن، بل طاقة كامنة يمكن أن تتحول إلى قوة ناعمة تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي وتعزيز الحضور الثقافي للمنطقة.
إن المهرجانات حين تحسن إدارتها لا تقتصر على العروض الفنية أو الأمسيات الثقافية، بل تتحول إلى منصات اقتصادية حقيقية. فالحركة التي تصاحبها — من تنشيط السياحة الداخلية، وفتح فرص للتسويق التقليدي، ودعم الصناعات الحرفية ,قوافل طبية و ومحاضرات و انشطة رياضية— تجعل الثقافة جزءًا من دورة الإنتاج، لا مجرد نشاط على هامشها. وهنا تكمن القيمة المضافة لمهرجان لعصابه؛ إذ يمكنه أن يجمع بين الإبداع الثقافي والجدوى الاقتصادية في معادلة متوازنة.
لكن الأهم من ذلك أن مثل هذه التظاهرات تساهم في إعادة الاعتبار للهوية المحلية. ففي عالم سريع التحول، تصبح المجتمعات في حاجة إلى نقاط ارتكاز تحفظ ذاكرتها الجماعية. والمهرجان، في هذه الحالة، لا يحتفي بالماضي فحسب، بل يعيد تقديمه للأجيال الجديدة في صورة حية، تجعلهم يشعرون بأنهم امتداد طبيعي لتاريخ طويل من القيم والمعرفة والإبداع.
وإذا كتب لهذا المهرجان النجاح والاستمرارية، فإنه لن يكون مجرد حدث عابر في الأنشطة الثقافية، بل قد يتحول إلى علامة فارقة في المشهد الثقافي الوطني. فالمهرجانات الكبرى في العالم بدأت غالبا بفكرة بسيطة، ثم نمت بفضل الإصرار والتخطيط الجيد حتى أصبحت جزءا من هوية المكان الذي ولدت فيه ، وهذا ماتجسده لجنة الاشراف على المهرجان من خلال توطين فعاليات المهرجان.
إن لعصابه لا تحتاج إلى استيراد نموذج جاهز؛ فمقومات النجاح كامنة في أرضها وناسها وتراثها. وما يحتاجه الأمر هو رؤية تؤمن بأن الثقافة يمكن أن تكون محركا للتنمية، وأن الاستثمار في الإنسان والتراث هو في النهاية استثمار في المستقبل.
وعندها فقط لن يكون مهرجان لعصابه مجرد مناسبة للاحتفاء، بل سيكون رسالة تقول إن الثقافة حين تلتقي بالإرادة تصبح قادرة على صناعة الأمل… وصناعة التنمية أيضًا.
رمضان كريم
مهرجان لعصابه… حين تتحول الثقافة إلى مشروع تنموي / محمد ولد عمار

