إشارات التهدئة السياسية: قراءة في عودة معارض من الخارج/ محمد ولد عمار

يأتي رجوع قائد من حركة «قوات تحرير الأفارقة الموريتانيين» إلى نواكشوط قادما من باريس، في سياق سياسي واجتماعي دقيق، لا يمكن فصله عن المقاربة التي ينتهجها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، القائمة على التهدئة والانفتاح ومحاولة إعادة بناء جسور الثقة بين مختلف الفرقاء السياسيين و أبناء البلد الواحد، بما في ذلك الشخصيات والتيارات التي ظلت لسنوات تنشط من خارج البلاد.

فحركة «إفلام»، تاريخيًا، لم تكن مجرد تنظيم سياسي، بل شكلت تعبيرا عن اختلالات  في بنية الدولة والمجتمع حسب رأيهم ، خاصة في ما يتعلق بقضايا الهوية والاندماج والعدالة. وقد ارتبط حضورها بمحطات حساسة من تاريخ موريتانيا، جعلت من خطابها جزءا من النقاش الوطني حول الماضي وسبل تجاوزه.

في هذا الإطار، يمكن قراءة هذه العودة باعتبارها أحد تجليات مناخ سياسي يسعى إلى تجاوز القطيعة مع الخارج، وفتح المجال أمام عودة الفاعلين السياسيين إلى الداخل، ضمن مقاربة تقوم على استيعاب الاختلاف بدل تعميقه. فسياسة التهدئة التي تبناها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني منذ وصوله إلى السلطة، سعت إلى خفض منسوب التوتر، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للحوار، سواء مع المعارضة الداخلية أو مع الأصوات التي اختارت المنفى في مراحل سابقة.

هذه العودة، من زاوية أخرى، تعكس أيضا تحولا لدى بعض قادة الخارج، الذين باتوا يدركون أن التأثير الفعلي في مجريات السياسة الوطنية يمر عبر الحضور الميداني والمشاركة من الداخل، لا الاكتفاء بالمواقف من الخارج. وهو ما يفرض بدوره إعادة صياغة الخطاب السياسي ليتلاءم مع تعقيدات الواقع وتوازناته.

سياسيا، قد تسهم هذه الخطوة في إعادة تشكيل جزء من المشهد المعارض، من خلال إدماج أصوات جديدة كانت غائبة عن الفضاء الداخلي، وهو ما قد يعزز من ديناميكية النقاش السياسي ويثريه. كما يمكن أن تفهم كرسالة ضمنية على أن الدولة مستعدة لفتح صفحة جديدة، قائمة على الاحتواء بدل الإقصاء، وهو ما ينسجم مع توجهات التهدئة العامة.

لكن في المقابل، تظل هذه العودة محكومة بتحديات قائمة، أبرزها كيفية إدارة ملفات الذاكرة والعدالة، التي ما تزال حاضرة في خطاب هذه التيارات. فنجاح سياسة الانفتاح لا يقتصر على استيعاب الأشخاص، بل يتطلب أيضا إيجاد مقاربات متوازنة لمعالجة القضايا الجوهرية وهو ماعبر عنه قواد الحركة في أكثر من مناسبة ، بما يحفظ الاستقرار ويستجيب في الوقت نفسه لمطالب الإنصاف.

أما على مستوى التجاذبات السياسية، فمن المرجح أن تستثمر هذه العودة بطرق مختلفة: فهناك من سيرى فيها مؤشرا إيجابيًا على نجاح خيار التهدئة، وهناك من قد يتعامل معها بحذر، خشية أن تعيد طرح قضايا حساسة بطريقة قد تغذي الاستقطاب. غير أن الفيصل في ذلك سيظل مرتبطا بكيفية توظيف هذه الخطوة ضمن رؤية وطنية جامعة.

في المحصلة، يندرج رجوع قائد من «إفلام» إلى نواكشوط ضمن سياق أوسع من محاولات إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة ومحيطها السياسي، في الداخل والخارج. وإذا ما أُحسن استثمار هذا المسار، فإنه قد يشكل لبنة إضافية في بناء مناخ سياسي أكثر هدوءا وتوازنا، يعزز التماسك الوطني ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها الحوار والانفتاح بدل القطيعة والتجاذب.