لعبة الأقنعة في الحراك السياسي الموريتاني / محمد ولد عمار

لم يعد المشهد السياسي في موريتانيا قابلا للقراءة بالأدوات التقليدية التي كانت تميز بوضوح بين السلطة والمعارضة، أو بين الحركات الاحتجاجية والقوى المشاركة في النظام السياسي. فالساحة اليوم تتحرك داخل حالة من الحركية المعقدة، حيث تتبدل المواقع، وتتداخل الأدوار، وتصبح البراغماتية السياسية أحيانا أكثر حضورا من الثبات الأيديولوجي.

هذه التحولات لا تعني بالضرورة انهيار القناعات، بقدر ما تعكس انتقال الفاعلين السياسيين إلى مرحلة جديدة عنوانها البحث عن التوازن داخل بيئة محلية وإقليمية شديدة الحساسية. فموريتانيا لم تعد معزولة عن ارتدادات منطقة الساحل، ولا عن التحولات الجيوسياسية التي أعادت تشكيل أولويات الدول والحركات على حد سواء.

في هذا السياق، تبدو “لعبة الأقنعة” توصيفا دقيقا لحالة المشهد السياسي؛ إذ أصبح الخطاب المعلن شيئا، والحسابات الفعلية شيئا آخر. فالسلطة تتحدث بلغة الانفتاح والحوار، لكنها في الوقت ذاته تحرص على ضبط المجال السياسي ضمن حدود لا تهدد توازن الدولة. والمعارضة ترفع شعارات التغيير، لكنها تدرك أن هامش المناورة محكوم بتعقيدات الداخل وبسقف الإقليم المضطرب. أما الحركات الحقوقية والاجتماعية، فقد انتقلت تدريجيا من منطق الاحتجاج الرمزي إلى منطق البحث عن التأثير المباشر داخل المعادلة السياسية.

الإسلاميون، مثلا، يمثلون أحد أبرز نماذج هذا التحول. فبعد سنوات من الخطاب الذي يميل إلى المواجهة الرمزية، اتجهوا نحو خطاب أكثر واقعية وبراغماتية، يركز على التدرج، والعمل المؤسسي، وتفادي الصدام المباشر مع الدولة. ويبدو أن هذا التحول ليس مجرد خيار داخلي، بل استجابة أيضا لتحولات إقليمية أظهرت أن الحركات ذات الخلفية الإسلامية أصبحت أكثر حذرا بعد تجارب المنطقة خلال العقد الأخير.

وفي الاتجاه المقابل، فإن الحركات الحقوقية، وعلى رأسها الحركات ذات البعد الاجتماعي والعرقي، بدأت تدرك أن التأثير الحقيقي لا يتحقق فقط عبر الضغط الخارجي أو الخطاب الاحتجاجي، بل يحتاج أيضا إلى حضور سياسي وإلى القدرة على تحويل الزخم الحقوقي إلى وزن داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.

أما التيارات اليسارية والقومية، التي لعبت تاريخيا دورا محوريا في تشكيل الوعي الاحتجاجي والنقابي، فإنها تواجه اليوم أزمة مركبة؛ أزمة خطاب، وأزمة تجديد، وأزمة قدرة على استعادة جمهور تغيرت أولوياته. فالمجتمع لم يعد يتحرك فقط بمنطق الشعارات الكبرى، بل بمنطق المصلحة والاستقرار والبحث عن حلول عملية للأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.

لكن خلف هذه التحولات جميعها، يبرز عامل أكثر عمقا: هاجس الاستقرار.

فالدولة الموريتانية، مثل كثير من دول الساحل، تراقب محيطا إقليميا يتجه نحو مزيد من الهشاشة؛ انقلابات عسكرية، تصاعد للجماعات المسلحة، تنافس دولي على النفوذ، وتراجع في قدرة الأنظمة التقليدية على ضبط المجال الأمني والاجتماعي. وفي ظل هذا الواقع، أصبح الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن أولوية تتقدم أحيانا على منطق الإصلاح السياسي العميق.

ومن هنا يمكن فهم كثير من “التسويات الرمادية” التي تطبع المشهد الحالي؛ لا قطيعة كاملة بين السلطة وبعض خصومها، ولا اندماج حقيقي أيضا. بل نوع من إدارة التناقضات عبر الاحتواء التدريجي، وفتح قنوات غير معلنة للتفاهم، وتوزيع هوامش الحركة بما يمنع الانفجار ويحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار.

غير أن هذا النموذج يحمل في داخله مفارقة خطيرة. فكلما اتسعت المساحات الرمادية، تراجعت قدرة المواطن على فهم المشهد السياسي. وحين يصبح الفرق غامضا بين الخطاب التكتيكي والخطاب المبدئي، تتآكل الثقة تدريجيا، ويتحول الشعور العام إلى نوع من الارتياب السياسي المزمن.

وهنا تبرز المعضلة الكبرى: هل تتجه موريتانيا نحو بناء توازن سياسي مرن قادر على استيعاب الجميع؟
أم أن هذه الحركية ستقود مستقبلا إلى ضبابية أعمق تضعف الحياة السياسية وتفرغها من المعنى؟

السيناريو الأول: التوازن المرن

يقوم هذا السيناريو على استمرار سياسة الاحتواء والانفتاح النسبي، مع بقاء خطوط حمراء تضبط المجال السياسي. وفي هذا المسار، قد تنجح الدولة في الحفاظ على الاستقرار، خاصة إذا تمكنت من تحسين الأوضاع الاقتصادية وامتصاص التوترات الاجتماعية. كما قد يؤدي اندماج بعض الحركات الاحتجاجية داخل المؤسسات إلى تخفيف منسوب الاحتقان وإنتاج معارضة أكثر واقعية.

لكن نجاح هذا السيناريو يظل مرتبطا بقدرة النظام السياسي على بناء ثقة حقيقية، لا مجرد إدارة مؤقتة للتوازنات.

السيناريو الثاني: إعادة إنتاج الضبابية

في هذا المسار، تستمر السياسة بوصفها فضاء للمناورة أكثر منها فضاء للمشاريع الواضحة. تتغير التحالفات بسرعة، وتتراجع الحدود بين المعارضة والموالاة، بينما يفقد الشارع اهتمامه تدريجيا بالفعل السياسي نتيجة غياب الوضوح.

وهذا السيناريو قد لا يؤدي إلى انفجار مباشر، لكنه يفتح الباب أمام أزمة ثقة طويلة المدى، حيث تصبح السياسة بالنسبة للمواطن مجرد صراع نخبوي على المواقع لا علاقة له بقضايا المجتمع الفعلية.

السيناريو الثالث: عودة الاستقطاب الحاد

رغم أن هذا السيناريو يبدو أقل حضورا حاليا، فإنه يظل ممكنا إذا تعرضت المنطقة لهزات أمنية أو اقتصادية كبرى، أو إذا حدث انسداد سياسي داخلي. ففي المجتمعات التي تعيش هشاشة اقتصادية واجتماعية، يمكن لأي توتر كبير أن يعيد إحياء الاصطفافات الحادة، سواء على أساس سياسي أو اجتماعي أو هوياتي.

كما أن تعثر مسار الاحتواء قد يدفع بعض الحركات إلى العودة نحو خطاب أكثر تشددا، خاصة إذا شعرت بأن المشاركة لم تحقق نتائج ملموسة.

في النهاية، لا تبدو الأزمة الحقيقية في موريتانيا أزمة تعدد تيارات بقدر ما هي أزمة وضوح سياسي. فالتنوع في حد ذاته يمكن أن يكون مصدر قوة، إذا وجد إطار وطني قادر على تنظيم الاختلاف وتحويله إلى توازن صحي. أما حين تتحول السياسة إلى مساحة دائمة للأقنعة والرسائل المزدوجة، فإن الخطر لا يكون في تغير المواقع، بل في فقدان المعنى نفسه.

ومستقبل الحراك السياسي الموريتاني سيتحدد، على الأرجح، ليس بقدرة الأطراف على المناورة فقط، بل بقدرتها على إنتاج وضوح جديد؛ وضوح يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المعارضة والسلطة، وبين السياسة باعتبارها شراكة وطنية، والسياسة باعتبارها مجرد إدارة مؤقتة للتوازنات.