مكسم بوبكر بن عامر .... حين يصبح التراث غريبا في وطنه /محمد ولد عمار

في تخوم الجغرافيا الوعرة، حيث تتقشف الأرض ويشتد عصف الرمال، ينتصب مكسم بوبكر بن عامر  شاهدا من شواهدِ الزمن السحيق، وحارس أمين لذاكرة حضارية ضاربة في أعماق التاريخ الموريتاني.

ليس مجرد مدفن أثري توارى بين الكثبان، بل معلم تختزن حجارته سيرة أجيال عبرت، وأمم تعاقبت، ورجالٍ سطروا على هذه الأرض ملامح البقاء والانتماء.

هناك، حيث يمتزج عبق التاريخ بخشونة الجغرافيا، تتجلى حقيقة الإنسانِ الموريتاني؛ ذلك الإنسان الذي روض القفر، وصادق الصحراء، وجعل من قسوة المكان فضاء للعبور الحضاري لا موطنا للعزلة والانطفاء.

لقد ظل هذا الكنز التراثي النفيس زمنا طويلا حبيس النسيان، تخفيه رهبة المسالك وبعد المنافذ، بينما كان يحمل في صمتهِ ذاكرة قرون كاملة من التفاعل الإنساني والتواصل الثقافي والعمراني.

فالمواق الأثرية ليست أطلالا جامدة، وإنما هي دفاتر الأمم المفتوحة، تقرأ فيها الشعوب سيرتها الأولى، وتسترد منها يقين الانتماء.

وما أشد خسارة الأمم حين تجهل مواضع ذاكرتها، إذ كيف لإنسان أن يعرف العالم من حوله، وهو يجهل جذوره الأولى؟

فالتراث ليس ترفا ثقافيا يستدعى في مواسم الاحتفاء، بل هو روح الأمة حين تصاب بوحشة النسيان.

وتتأكد اليوم أهمية الجهو التي تبذلها هيئة التراث الموريتاني، في سبيل إعادة الاعتبار للذاكرة الوطنية، وصون الكنوز التاريخية من الضياع والتآكل، وربط الأجيال الجديدة بجذورها الحضارية العميقة.

لقد اتجه الوعي الوطني اليوم إلى أن صيانة التراث ليست حماية للحجارة وحدها، وإنما صون للهوية، وربط للحاضر بجذوره العميقة، حتى تبقى موريتانيا وفية لذاكرتها، معتزة بإرثها، قادرة على تقديم نفسها للعالم بوصفها أرض حضارة لا هامش صحراء.

إن مكسم بوبكر بن عامر ليس أثرا صامتا، بل ذاكرة قائمة، وقلعة تحرس تاريخا بأكمله.

كل ذرة تراب فيه تحمل عبور زمن، وكل حجر منه يروي سيرة رجال مروا من هنا، ثم تركوا للأجيال وصية البقاء.

وحين تستعيد موريتانيا كنوزها التراثية إلى واجهة الوعي، فإنها لا تنقذ الماضي من النسيان فحسب، بل تعيد للأمة صورتها الأولى… يوم كانت الحضارة تكتب على الرمل، لكنها لا تمحى.