حين أصبح النضال تسلية... والمبدأ مناورة / محمد ولد عمار

إذن فلنغير المكان والنهج يا صديق الدرب؛ لا لأن الأرض ضاقت، ولا لأن الطريق انتهى، بل لأننا بتنا نطيل المسير ولا نعرف إلى أين المسير، ونكثر الخطى ولا نكاد نحسن اختيار الاتجاه. فقد اختلطت المعالم، وتشابهت الوجوه، وتبدلت النبرات، حتى غدا الثابت متحولا، والمألوف مستغربا.

كنا نظن أن النضال عهد يحمل لا مشهد يمثل، ورسالة تؤدّى لا وسيلة تستغل، فإذا ببعضه يتحول إلى استعراض للمواقف لا ثبات على المواقف، وإلى حضور أمام الأعين لا حضور في الضمائر. وكنا نحسب أن المبادئ جذور تضرب في الأعماق، فإذا ببعضها أوراق تتبدل ألوانها مع الفصول، وتميل حيث تميل الرياح والظروف.

أما التضحيات التي شربنا مرارتها جرعة بعد جرعة، وحملنا أثقالها خطوة بعد خطوة، فقد كانت تدفع أحيانا ثمنا لثقة أوسع من أصحابها، ووفاء أكبر من أوعيتها. منحنا الرفاق صدقا، فمنحناهم يقينا، وأعطيناهم من الرصيد ما ظنناه استثمارا في القيم، فإذا ببعض الحسابات تغلق قبل اكتمال الأمل، وبعض الوعود تنطفئ قبل اكتمال الطريق.

وليس في هذا حديث تجريحٍ ولا دعوة قطيعة؛ فما تزال في الناس قامات لم تغرها الأضواء، ونفوس لم تبدل جلدها عند أول منعطف، ووجوه حافظت على نقاء الموقف حين تلوثت المواقف. غير أن المؤلم أن يصبح الثبات استثناء يحتفى به، وأن يصير الوفاء حدثا نادرا بعد أن كان خلقا عاديا.

فكم من صوت كان يعلو باسم المبادئ ثم خفت عند أول اختبار، وكم من يد كانت تشير إلى الطريق ثم غيرت وجهتها عند أول مفترق، وكم من خطاب بدأ بالوطن وانتهى بالمصلحة، وكم من شعار ولد كبيرا ثم مات صغيرا.

لا ضير أن يراجع الإنسان أفكاره، فالمراجعة نضج، والتأمل حكمة، والتحول أحيانا ضرورة. لكن بين مراجعة القناعة وبيعها، وبين تصحيح المسار وتغيير البوصلة، مسافة لا تقاس بالأميال بل بالمواقف.

لهذا، فلنبدأ من جديد يا صديق الدرب، لا بتغيير الأمكنة والأسماء، ولا بتبديل الشعارات والعناوين، بل باستعادة ما ضاع في الزحام: صدق الكلمة، وأمانة الموقف، وشجاعة الرأي، ووفاء الإنسان لما قاله حين كان قوله مكلفا.

فالأوطان لا ترهقها قلة الوسائل، بقدر ما يرهقها غياب المعنى، ولا تضعفها قسوة الظروف، بقدر ما يضعفها تعب الضمائر. وحين تتعب المبادئ من حملتها، يطول الطريق وإن قصر، وتكثر الخطى وإن توقفت الرحلة.