السنغال بين شراكة الحكم وحسابات المستقبل: هل بدأ العدّ التنازلي لمعركة 2029؟/ محمد ولد عمار

منذ وصول المشروع السياسي الجديد إلى السلطة في السنغال، بدا المشهد في بداياته وكأنه يؤسس لنموذج مختلف في إدارة الحكم، نموذج يقوم على شراكة سياسية صنعتها سنوات المعارضة وتغذت من خطاب التغيير والقطيعة مع الأنماط التقليدية في إدارة الدولة. فقد ظهر الرجلان باعتبارهما حاملين لروح مشروع واحد تشكل داخل ظروف سياسية معقدة، واستند إلى قاعدة شعبية واسعة كانت تتطلع إلى إصلاحات عميقة وإلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة أكثر قربا من مطالب الشارع السنغالي.

غير أن الانتقال من المعارضة إلى السلطة كان دائما لحظة فارقة في التجارب السياسية، لأن ما يجمع القوى السياسية خارج الحكم ليس هو نفسه ما يحكم علاقتها داخله. ففي المعارضة غالبا ما تتقدم الشعارات الكبرى والأهداف المشتركة على ما سواها، بينما تفرض السلطة أسئلة أكثر حساسية تتعلق بتوزيع النفوذ وصناعة القرار وترتيب مراكز القوة وإدارة الطموحات المتعددة داخل المشروع الواحد. لذلك فإن نجاح التحالفات في الوصول إلى الحكم لا يعني بالضرورة قدرتها على المحافظة على الدرجة نفسها من الانسجام بعد وصولها إليه.

في الحالة السنغالية، لا تبدو المسألة مرتبطة فقط بعلاقة شخصين أو بتقدير سياسي عابر، وإنما ترتبط بطبيعة التركيبة التي أنتجتها اللحظة السياسية نفسها. فهناك شرعية يمنحها موقع الرئاسة بما يحمله من رمزية وسيادة ومؤسسات، وهناك رصيد سياسي وشعبي واسع تشكل عبر سنوات من الحضور الميداني والتعبئة السياسية. وفي الظروف الطبيعية يمكن لمثل هذا التوزيع أن يتحول إلى مصدر قوة يسمح بتكامل الأدوار وتوزيع المسؤوليات، لكنه قد يتحول أيضا إلى مصدر تنافس صامت إذا بدأت الحدود بين الأدوار تصبح أقل وضوحا أو إذا ظهرت قراءات مختلفة لأولويات المرحلة المقبلة.

حتى الآن لا توجد مؤشرات قاطعة على وجود قطيعة سياسية كاملة، لكن القراءة السياسية لا تعتمد دائما على الوقائع المعلنة وحدها، بل على طبيعة التحولات الهادئة التي تسبق في العادة إعادة تشكل المشهد السياسي. فالتحالفات السياسية لا تنتهي غالبا ببيانات صريحة أو بإعلانات مفاجئة، وإنما تبدأ بإشارات صغيرة؛ اختلاف في الخطاب، تباين في إدارة الملفات، ظهور دوائر نفوذ مستقلة، أو تزايد الحديث عن المستقبل أكثر من الحديث عن الحاضر.

وهنا تبرز انتخابات عام 2029 باعتبارها نقطة محورية في قراءة المشهد السنغالي. فرغم أن الزمن السياسي ما يزال يسمح بالكثير من التحولات، فإن الانتخابات المقبلة بدأت تدخل مبكرا في حسابات القوى السياسية. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط من سيفوز في ذلك الاستحقاق، بل من سيكون الممثل الفعلي للمشروع الذي وصل إلى الحكم. لأن معارك المستقبل لا تبدأ عادة في عام الانتخابات، وإنما تبدأ في اللحظة التي تبدأ فيها القوى السياسية بإعادة تعريف مواقعها وأوزانها داخل السلطة.

يمكن أن يستمر التحالف في صورته الحالية إذا نجح الطرفان في إدارة التوازنات داخل إطار مؤسساتي يجعل أولوية المشروع السياسي تتقدم على الحسابات الفردية، وهو سيناريو يمنح السلطة قدرا أكبر من الاستقرار ويمنحها كذلك فرصة التركيز على الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي جاءت أساسا من أجلها. كما يمكن أن يحدث نوع من الانفصال السياسي الهادئ، لا يصل إلى حد المواجهة المباشرة، وإنما يعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل المشهد السياسي السنغالي ويفتح الباب أمام تحالفات جديدة وتوازنات مختلفة. أما السيناريو الأقل احتمالًا فهو انتقال التباينات إلى مستوى الصراع المفتوح، بما يحمله ذلك من إمكانية إعادة تشكيل المشهد السياسي برمته.

لكن ما يميز السنغال عن كثير من التجارب الإقليمية هو وجود تقاليد سياسية ومؤسساتية راسخة نسبيا، جعلت التنافس السياسي في أغلب المراحل يتم داخل الأطر الدستورية رغم حدة الاستقطاب أحيانا. ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم هو ما إذا كانت العلاقة بين شريكي الحكم قد وصلت إلى مرحلة الطلاق السياسي، وإنما ما إذا كانت الشراكة التي نجحت في توحيد المعارضة قادرة على الصمود أمام اختبارات السلطة نفسها.

فالسياسة لا تكشف طبيعتها حين تتوافق الإرادات، وإنما حين تبدأ المصالح والطموحات في رسم خرائط جديدة للقوة. وبين منطق الشراكة الذي صنع لحظة التغيير وحسابات المستقبل التي تقترب تدريجيا، تبدو السنغال وكأنها تدخل منذ الآن مرحلة صامتة من إعادة ترتيب موازين القوى، مرحلة قد لا تحدد فقط مصير رجلين، بل قد تحدد أيضا شكل الحياة السياسية في البلاد خلال السنوات القادمة.