في السياسة لا تكون الإقالات الكبرى مجرد قرارات إدارية عابرة، بل تتحول في أحيان كثيرة إلى لحظات فاصلة تعيد تشكيل موازين القوى وتفتح أبوابا جديدة للصراع. لذلك تبدو إقالة Ousmane Sonko أكثر من مجرد إنهاء لمهام وزير أول داخل مؤسسة الحكم؛ إنها إعلان انتقال العلاقة بين شريكي السلطة من مرحلة التعايش السياسي إلى مرحلة الحسابات المفتوحة.
لم تأتِ الأزمة من فراغ، بل سبقتها مؤشرات عديدة كانت توحي بأن شيئاً ما يتحرك داخل البنية السياسية الجديدة في السنغال. وجاءت مطالبة سنكو البرلمان بمراقبة الإنفاق المرتبط بما يعرف بالصناديق السوداء للرئاسة كأكثر تلك المؤشرات وضوحا. لم يكن ذلك مجرد ملف مالي أو إداري، بل حمل أبعادا سياسية ورمزية عميقة، لأنه مس واحدة من أكثر مناطق السلطة حساسية.
يصعب الاعتقاد أن سنكو لم يكن يدرك حجم التداعيات المحتملة لهذه الخطوة. الرجل الذي قضى سنوات طويلة في معارك المعارضة لم يصنع مسيرته بالاندفاع أو الحسابات القصيرة. فهو سياسي يعرف جيدا متى يتقدم ومتى يغير قواعد اللعبة. لذلك تبدو فرضية أنه اختبر عمدا حدود الشراكة وحدود الصبر السياسي فرضية تستحق التأمل.
واللافت أن الإقالة قد تكون ـ من زاوية سياسية مختلفة ـ مكسبا أكبر لسنكو مما هي خسارة له. فالرجل لم يصنع مكانته الشعبية من موقعه داخل الحكومة، بل من صورة المعارض الذي يقدم نفسه منحازا للمجتمع في مواجهة مراكز النفوذ والامتيازات.
لقد واجه سابقا الرئيس السابق Macky Sall في واحدة من أعقد المحطات السياسية التي عرفتها البلاد. وعندما أغلقت أمامه أبواب الترشح غير أدواته دون أن يتخلى عن مشروعه السياسي. نجح حينها في تحويل الأزمة إلى فرصة، وانتقل من معركة الشخص إلى معركة المشروع.
أما اليوم فإن المشهد يختلف شكلا لكنه يتشابه مضمونا. لم يعد الصراع بين سنكو ونظام قائم كما كان في السابق، بل أصبح صراعا داخل البيت السياسي نفسه. إنه انتقال من معركة خارج السلطة إلى معركة داخلها.
وربما يكون الرهان الأكبر لدى سنكو الآن هو الرأي العام السنغالي. فالإقالة يمكن أن تقدّم للرأي العام بطريقتين متناقضتين: باعتبارها إجراء لحماية انسجام الدولة واستقرار مؤسساتها، أو باعتبارها ثمنا دفعه رجل حاول الاقتراب من مناطق ظلت بعيدة عن الرقابة والمساءلة؛ هو ما أوضحه في أول تعليق بعد الإقالة "ابيت الليلة مرتاح البال".
وفي أفق استحقاقات 2029، قد لا تكون القضية مرتبطة بمن خسر موقعا حكوميا اليوم، بل بمن نجح في كسب الرواية السياسية للمستقبل. ففي الديمقراطيات المعاصرة، لا ينتصر دائما من يملك السلطة، بل قد ينتصر من ينجح في إقناع الناس بأنه دفع ثمن الدفاع عنهم.
وهكذا قد تتحول الإقالة التي بدت في ظاهرها نهاية مرحلة، إلى بداية مسار جديد أكثر تعقيدا وتأثيرا. فالتاريخ السياسي كثيرا ما أثبت أن بعض الإقالات لا تخرج السياسي من المشهد، بل تعيده إليه بصورة أكثر قوة وحضورا.

