عليكم التوقف ... إنه الوطن / محمد ولد عمار

إنها الأرض التي ورثناها عن الآباء والأجداد، وسقيت بعرقهم ودمائهم وتضحياتهم، فلا يجوز أن تتحول إلى ساحة للمزايدات أو إلى موضوع يقاس بمنطق الربح والخسارة الآنية. غير أن الحديث عن الوطن لا ينبغي أن يكون ستارا يحجب عنا رؤية الحقيقة، ولا أن يتحول إلى شعارات تستهلكها المناسبات وتغيب عند الامتحان.
ليس هذا هو موضوعنا.
موضوعنا هو المصداقية. موضوعنا هو الصدق مع الذات قبل الصدق مع الناس. موضوعنا هو السؤال المؤجل دائما: أين نحن من الوطن الذي نحلم به؟ وأين هي البوصلة التي تهدي خطانا نحو المستقبل؟
لقد أصبح النقاش العام في كثير من الأحيان أسيرا للعناوين العابرة والجدالات الموسمية، بينما تتراجع القضايا الجوهرية إلى الخلف.
صحيح أن الأعلام هو المتحكم في المواضيع المتداولة وهو يثير او يغيب حسب اجندته الخاصة لكن يجب ان يكون موضوعيا وسلطة بعيدة عن التخندق.
ننشغل بالمظاهر ونختلف حول التفاصيل، لكننا نادرا ما نتوقف أمام جذور المشكلات وأسبابها الحقيقية. نحتفل بحل أزمة هنا أو هناك، ثم نكتشف بعد حين أن المشكلة نفسها عادت بثوب جديد لأنها لم تعالج من أساسها.
الحلول الناجعة ليست تلك التي تخفف الأعراض مؤقتا، بل تلك التي تقتلع الأسباب وتمنع تكرار الأزمات. أما إدارة الواقع بمنطق رد الفعل، فمهما حققت من مكاسب آنية، فإنها تظل عاجزة عن بناء مستقبل مستقر وقابل للاستمرار.
وأخطر ما يمكن أن يصيب الأمم هو فقدان الاستمرارية. فالتنمية ليست مشروعا موسميا، ولا قرارا يرتبط بمرحلة أو أشخاص. التنمية الحقيقية هي تراكم للجهود، ومواصلة للبناء، وتقييم دائم للمسار: أين كنا؟ وكيف أصبحنا؟ وإلى أين نتجه؟
أين هي الاستراتيجيات التي تتجاوز عمر اللحظة؟ أين هي الرؤى التي تجعل من كل خطوة لبنة في مشروع وطني متكامل؟ أين هي آليات التقييم والمراجعة التي تضمن ألا نكرر الأخطاء نفسها في كل محطة؟
لقد ضعنا في الزحام، حتى كادت الغاية تضيع. كثرت الأصوات، وتعددت الاتجاهات، لكن البوصلة الوطنية تحتاج إلى من يعيد ضبطها على مصلحة الوطن وحدها، بعيدا عن الحسابات الضيقة والمكاسب المؤقتة.
ومن يتحكم في البوصلة لا يمكنه أن يسير وحده. فهو بحاجة إلى رجال ونساء يجودون على الوطن بقلوبهم وعقولهم وجهودهم، يؤمنون أن خدمة الوطن ليست موقعا ولا امتيازا، بل مسؤولية وأمانة. بحاجة إلى من يختلفون في الوسائل لكنهم يتفقون على الهدف، ويتنافسون في البناء لا في الهدم، وفي الإصلاح لا في تسجيل النقاط.
فالأوطان لا تضيع بسبب قلة الموارد، وإنما تضيع حين تغيب الرؤية، وتختل الأولويات، ويصبح الانشغال باللحظة بديلا عن التفكير في المستقبل.
وما أحوجنا اليوم إلى صدق يعيد ترتيب الأسئلة، وإلى شجاعة تعترف بالمشكلات كما هي، وإلى إرادة تجعل من الوطن بداية كل نقاش ونهاية كل خلاف.
انه المنعرج ياسادة ويجب ان يكون في التفكير وفي المسار و في التوقف.
لابد ان تسود ضوابط الوطن؛ والخطوط الحمراء يجب ان تظل حمراء.