بين خبز اليوم ونهضة الغد / محمد ولد عمار

عندما تتقدم بك الأيام وتقرأ تاريخ الأمم، ستكتشف أن الشعوب لا تقاس بما تملكه من ثروات فحسب، بل بما تملكه من رؤية للمستقبل. فكم من بلاد أغدقت عليها الأرض خيراتها، لكنها ظلت تراوح مكانها لأنها انشغلت بيومها عن غدها، وكم من أمم كانت فقيرة الموارد لكنها صنعت مجدها لأنها أحسنت التخطيط لما وراء الأفق.
أنظر إلى واقعنا اليوم، ستجد دولة تبذل جهدا في التخفيف من أعباء المعيشة عن الناس، وتقدم برامج للدعم والمساعدة كلما اشتدت وطأة الغلاء أو ضاقت الأحوال على الأسر البسيطة. وهذه أمور لا ينبغي انكارها، فالجائع يحتاج إلى خبزه اليوم قبل أن يسمع حديثا عن مشاريع الغد، والمحتاج لا ينتظر كثيرا أمام قسوة الحياة.
لكن الحكمة  تقول إن علاج الألم ليس دائما علاجا للمرض.
فالطبيب الذي يكتفي بتسكين الأوجاع دون البحث عن أسبابها قد يريح مريضه ساعات، لكنه لا يمنحه الشفاء. وكذلك الأمم؛ قد تنجح في تخفيف آثار الأزمات، لكنها لن تنتصر عليها ما لم تعالج جذورها العميقة.
لقد تعودنا أن نفرح عند إعلان برامج الدعم، وأن ننتظر المواسم التي تخفف عن الناس أعباء الحياة. غير أن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: ماذا سنوزع هذا العام؟ بل ماذا سننتج بعد عشرة أعوام؟ ليس: كيف نساعد الناس على تجاوز هذه الأزمة؟ بل كيف نبني اقتصادا يجعل الأزمات أقل قسوة وأقل تكرارا؟
إن الثروة الحقيقية ليست ما يخرج من باطن الأرض، بل ما يدخل إلى عقول البشر. فالمعادن تنضب، والأسعار تتقلب، والأسواق تتغير، أما الإنسان المتعلم القادر على الإنتاج والإبداع فهو الثروة التي لا تفنى. ولذلك فإن المدرسة الجيدة قد تكون أهم من منجم، والجامعة القوية قد تكون أثمن من بئر غاز، لأن الأولى تصنع الإنسان الذي يحسن استثمار الثانية.
موريتانيا ليست بلدا فقيرا كما يظن البعض. لقد وهبها الله بحرا واسعا، وأرضا قابلة للعطاء، وثروات معدنية كبيرة، واحتياطيات واعدة من الغاز والطاقة ولله الحمد. لكن الأمم لا تنهض بما تملك، وإنما بما تفعل بما تملك. فالثروة التي لا تتحول إلى مصانع، ومدارس، ومزارع حديثة، وفرص عمل، تبقى مجرد أرقام في التقارير لا أكثر.
وأخشى ما أخشاه على الأوطان أن تنشغل بإطفاء حرائق الحاضر حتى تنسى بناء المستقبل. فهناك مشاريع ترى نتائجها خلال أشهر، وهناك مشاريع لا تؤتي ثمارها إلا بعد سنوات طويلة. والسياسي قد يميل أحيانا إلى ما يراه الناس سريعا، أما رجل الدولة  فيزرع ما قد لا يجني ثماره بنفسه، لكنه يعلم أن أبناء وطنه سيحصدونها يوما.
ولعل بلادنا تقف اليوم أمام منعطف مهم. فموارد جديدة تتدفق، وفرص استثمار تتزايد، واهتمام العالم بنا يتعاظم. غير أن السؤال الذي سيحكم علينا التاريخ من خلاله ليس كم دخل إلى خزائننا من أموال، بل ماذا صنعنا بتلك الأموال؟ هل أنفقناها في استهلاك عابر؟ أم حولناها إلى أساس متين لاقتصاد قوي ومجتمع منتج؟
نتذكر دائما أن التنمية ليست مشروع سنة ولا ولاية ولا حكومة، بل مشروع أجيال. هي رسالة يحملها الآباء إلى الأبناء، ثم يسلمها الأبناء إلى الأحفاد. وكل أمة تفكر في موسم واحد تحصد موسما واحدا، أما الأمة التي تفكر في أجيال قادمة فإنها تصنع التاريخ.
لهذا فإن أعظم ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الحلول المؤقتة فحسب، بل رؤية طويلة المدى تجعل من ثروات الحاضر جسرا إلى مستقبل أكثر أمنا وعدلا وازدهارا. فالأوطان العظيمة لا تعيش على ما تملكه اليوم، وإنما على ما تخطط له غدا.
وما بين تنمية تستهلك مع الأيام، وتنمية تبقى للأجيال، يتحدد مصير الأمم.