نحو تنمية شاملة في الأرياف (ولاتة نموذجا)/ سيد محمد اسلم

إن الحديث عن التنمية في الأرياف لم يعد ترفاً فكرياً ولا شعاراً موسمياً، بل أصبح ضرورة وجودية لمواجهة موجات النزوح وتآكل النسيج الاجتماعي وتفاقم الهشاشة في المناطق الهامشية. ومن هذا المنطلق يبرز "تجمع قرى الباطن" كفرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للإنسان الريفي، عبر مقاربة تنموية متكاملة تجعل من التجمع قطباً جاذباً للخدمات والإنتاج والاستقرار بدل أن يبقى نقطة عبور للنسيان.
لقد عانت قرى الباطن والقرى المحيطة بها لعقود من التشتت في الخدمات وغياب البنية التحتية، فصار المواطن يقطع مسافات طويلة بحثاً عن علاج أو تعليم أو حتى سوق يبيع فيه نتاج جهده. هذا الواقع لا يمكن أن يستمر إذا كنا جادين في خيار اللامركزية والعدالة المجالية. والحل لا يكمن في مشاريع معزولة، بل في التفكير بتجمع قروي مندمج تتوفر فيه الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
إن جوهر المقترح يقوم على إقامة مركز صحي متكامل يكون قبلة للمرضى من التجمع والقرى المجاورة، يخفف معاناة الأمهات والأطفال ويقطع الطريق أمام تفاقم الأمراض البسيطة التي تتحول إلى كوارث بسبب البعد. وبالتوازي مع ذلك لا نهضة بلا تعليم، لذا فإن إنشاء مدرسة مكتملة بستة أقسام إلى جانب إعدادية وثانوية يشكل حجر الأساس في وقف نزيف التسرب المدرسي ومنح أبناء الباطن نفس فرص أبناء المدن. المدرسة هنا ليست جدراناً فقط، بل هي مصنع للمواطنة وللأمل.
لا يمكن الحديث عن استقرار دون اقتصاد محلي. لذلك يتضمن المشروع إقامة سوق مركزي وسوق للحوم بمواصفات صحية، لتنشيط التجارة البينية وتوفير منافذ تسويق للمنتجين. كما أن توفير المياه الصالحة للشرب عبر حفر الآبار وإنشاء خزانات، وربط التجمع بالكهرباء عبر حلول الطاقة الشمسية، يمثل شرطاً مسبقاً لأي حديث عن الكرامة. فلا تعليم في الظلام ولا صحة بلا ماء نظيف.
ومن منطلق أن السكن حق أصيل، نقترح بناء وحدة سكنية تضم مائة غرفة سكنية مجهزة، تستهدف الأسر الأكثر هشاشة والطواقم التربوية والصحية التي ستحمل على عاتقها إدارة المرافق. هذا السكن سيكون نواة لحي حضري منظم يكسر عزلة البادية ويمنح الأسر إطاراً يصون كرامتها.
أما البعد الإنتاجي فلا يكتمل إلا بإحياء الزراعة الحضرية. فمن خلال استصلاح مساحات للخضروات وتربية الدواجن ووحدات التسمين، يمكننا تحويل التجمع من منطقة استهلاك إلى منطقة إنتاج.