في الحوض الشرقي تتجلى موريتانيا بكل وجوهها. اتساع في الأرض، عمق في التاريخ، وصبر في الإنسان. وفي قلب هذا المشهد تقف فئات هشة، في الولاية، بين وعدين لا يلتقيان أبداً. وعد ترفعه النخب السياسية كلما اقترب موسم الانتخابات، وواقع ثقيل تجره "قاطرة الفقر" كل صباح في الأسواق والقرى والمدارس.
النخب السياسية في الحوض الشرقي ما زالت تدور في فلك واحد. تتحرك من النعمة إلى باسكنو ومن تمبدغة إلى عدل بكرو محملة بنفس الخطاب. تحضره فئات هشة بقوة، في التجمعات وفي الصفوف الأولى وفي صناديق الاقتراع. ولكن ما أن تنتهي الحملة وتُعلن النتائج حتى يبدأ الغياب. غياب عن طاولات القرار، عن توزيع الميزانيات، وعن المشاريع التي تغير حياة الناس فعلاً. العلاقة اختُزلت إلى علاقة موسمية قائمة على الأخذ والعطاء الانتخابي، لا على الشراكة في بناء الولاية.
وفي الجهة المقابلة يقف الواقع اليومي شاهداً لا يكذب. اقتصاد الحوض ما زال أسيراً للمطر وللماشية وللعمل اليومي الهش. سنوات الجفاف المتتالية وغلاء المعيشة جعلت الهشاشة قاعدة وليست استثناء. الشباب يحملون الشهادات ويصطدمون ببطالة خانقة. الأسر الريفية تواجه صعوبة في توفير أبسط مقومات العيش. الولوج إلى تعليم جيد أو خدمة صحية لائقة ما زال معركة في كثير من القرى. هكذا تتحول "قاطرة الفقر" من تعبير إلى مصير يتوارثه الأبناء عن الآباء، في غياب مشاريع إنتاجية حقيقية تكسر هذه الدائرة.
لكن السؤال "إلى متى" لا يمكن أن يبقى بلا جواب. التغيير لن يأتي كمنحة من فوق فقط، بل يحتاج إلى فعل من الداخل. يحتاج أولاً إلى كسر احتكار التمثيل. لم يعد مقبولاً الاكتفاء بحضور شكلي. الحوض الشرقي بحاجة إلى نخب جديدة من أبنائه تحمل مشروعاً تنموياً واضحاً، تبدأ من البلديات والمجالس الجهوية وتصل إلى البرلمان والحكومة بصوت مسموع.
ويحتاج إلى الانتقال من منطق الإغاثة إلى منطق الإنتاج. التحويلات النقدية قد تسد رمق يوم، لكنها لا تبني مستقبلاً. المستقبل يبدأ من استصلاح أراض زراعية مروية لا مطرية، من دعم التعاونيات النسوية، من تكوين مهني يخرج الشاب من انتظار العمل اليومي إلى تأسيس مشروعه الخاص.
الفئات الهشة في الحوض الشرقي: بين النخب السياسية وقاطرة الفقر... إلى متى؟/ سيد محمد اسلم

