لا يقاس نجاح المؤتمرات الصحفية بكثرة الأسئلة، وإنما بجودة ما يطرح فيها من قضايا. فحين يتعلق الأمر بمؤتمر صحفي لرئيس دولة، تصبح المسؤولية المهنية مضاعفة، لأن السؤال الصحفي ليس رأيا شخصيا، ولا انطباعا عابرا، ولا صدى لما يتداول في المجالس أو على منصات التواصل، بل هو بناء مهني يستند إلى الوقائع والوثائق والأدلة القابلة للتحقق.
وما برز في المؤتمر الأخير هو أن جانبا من الأسئلة انزلق إلى مساحة الشائعات والتصورات غير المسندة، حتى بدا وكأن بعض المحاورين استندوا إلى ما يروج في الفضاء العام أكثر مما استندوا إلى معطيات موثقة. وهذا يطرح إشكالا مهنيا حقيقيا؛ إذ لا يجوز أن تبنى أسئلة موجهة إلى رئيس الجمهورية على اتهامات لم تثبتها جهات التحقيق، أو ملفات لم يصدر فيها حكم قضائي ولم تعرض على القضاء اصلا، أو مجرد روايات متداولة لا ترقى إلى مستوى الدليل.
فالصحافة الاستقصائية لا تقوم على ترديد الإشاعات، وإنما على جمع الأدلة والتحقق منها قبل مساءلة المسؤولين. أما تحويل الشائعة إلى سؤال صحفي، فهو يسيء إلى المهنة قبل أن يحرج المسؤول، ويخلط بين حق الصحافة في المساءلة وبين واجبها في احترام قرينة البراءة وسيادة القانون.
ورغم ذلك، بدا رئيس الجمهورية متفهما لطبيعة الأسئلة ومستوى المحاورين ، وتعامل معها بهدوء وثقة، مستثمرا المؤتمر لتوجيه رسائل تتجاوز مضمون بعض الأسئلة. فقد ركز على طمأنة المواطنين بشأن عدد من الملفات الوطنية، وأكد استمرار الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز الحكامة، وترسيخ الشفافية، ومواصلة تحسين الأداء الإداري، كما بعث برسائل سياسية تؤكد أن إدارة الشأن العام ستظل قائمة على الاستقرار والحوار واحترام المؤسسات.
لقد كشف المؤتمر عن فجوة مهنية تستدعي المراجعة. فالمؤتمر الصحفي مع رئيس دولة ليس ساحة لاختبار الانطباعات، ولا منصة لتدوير الشائعات، بل مناسبة لمساءلة السلطة بأسئلة دقيقة، موثقة، وعميقة، تساعد الرأي العام على فهم السياسات العامة وتقييم نتائجها.
وفي النهاية، يمكن القول إن الرسائل التي خرج بها رئيس الجمهورية كانت أكثر تماسكا من مستوى بعض الأسئلة التي وجهت إليه، وهو ما جعل المؤتمر، رغم ملاحظاته المهنية، مناسبة لإبراز رؤية السلطة تجاه الاقتصاد والحكامة وإدارة المشهد السياسي، أكثر مما كان ساحة لنقاش صحفي.

