موريتانيا: فقراء في دائرة الضوء وآخرون في قاع النسيان/ فاطمة عمار

في موريتانيا لا يحتاج الفقر إلى بطاقة تعريف ولا يحتاج الحرمان إلى شجرة نسب.
فهو حاضر في القرى والأحياء وفي وجوه شيوخ أنهكتهم سنوات الانتظارونساء يواجهن قسوة الحاجة وأطفال حرموا من التعليم.
غير أن المفارقة ليست في اتساع رقعة الفقر وحدها بل في تفاوت فرص التعبير عنه والوصول به إلى دوائر القرار.
فالمعاناة قد تتساوى في قسوتها لكن الأصوات لا تتساوى في قدرتها على أن تُسمع.
لقد أفرز المشهد العام في الوطن واقعًا تتقدم فيه بعض المظالم إلى واجهة الخطاب السياسي، وتتحول إلى عناوين للنقاش والمرافعة والبرامج الانتخابية، بينما تظل مظالم أخرى لا تقل أهمية وإلحاحًا حبيسة الهامش لا تجد من يتبناها أو يمنحها ما تستحق من الاهتمام وليس ذلك بسبب قلة حجم المعانا بل لأن بعض القضايا تمتلك منابر وشبكات ضغط فيما يفتقر أصحاب قضايا أخرى إلى أبسط أدوات إيصال أصواتهم.
وليس الاعتراض هنا على وصول ممثلين عن الفئات المهمشة إلى البرلمان أو مواقع المسؤولية؛ فذلك حق مشروع، ومكسب ينبغي تثمينه والدفاع عنه.
إنما تكمن المشكلة حين يتحول التمثيل إلى غاية في حد ذاته أو يصبح الاهتمام بالمظالم انتقائيًا فتُمنح بعض القضايا أولوية سياسية وإعلامية بينما تُترك قضايا أخرى كالتعليم والصحة والتشغيل والعيش الكريم رهينة الوعود والمناسبات والخطابات الموسمية.
فما قيمة الحديث عن العدالة الاجتماعية؟
و مسن يرفع صوته مطالبًا بحق أساسي ظل مؤجلًا؟
وما جدوى الاحتفاء بتمثيل الفئات الضعيفة ؟
إذا لم ينعكس ذلك على حياة المحرومين الذين لا يملكون تنظيمًا سياسيًا، ولا كتلة انتخابية ولا منبرًا يدافع عن مطالبهم؟
إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول المعاناة إلى رصيد سياسي ويصبح حضور القضية في المجال العام مرتبطًا بمدى قدرتها على إنتاج مكاسب انتخابية أو استقطاب جماهيري. عندها لا تعود الأولوية لحجم الحرمان ولا لدرجة الإلحاح، بل لقوة الجهة التي تتبنى الملف وقدرتها على فرضه في النقاش العام.
وهنا ينبغي التمييز بين حق الفئات في التمثيل والدفاع عن مظالمها وبين احتكار الحديث باسم المهمشين أو اختزال العدالة الاجتماعية في قضايا محددة. فالمهمشون ليسوا كتلة واحدة ومعاناتهم ليست نسخة متطابقة.
منهم من يطالب بإنصاف تاريخي وليسوا من فئة واحد.
ومنهم من ينتظر مدرسة أو مركزًا صحيًا أو فرصة عمل.
ومنهم من لا يملك سوى صوته الفردي ليطالب بحقه في الكرامة والمواطنة والمساواة.
إن الدولة العادلة لا تكتفي بالاستماع إلى الأصوات الأكثر تنظيمًا ولا تقيس حجم المظالم بقدرة أصحابها على الضغط بها .
بل تذهب إلى حيث يوجد الحرمان وتبحث عن اللذين لا تصل أصواتهم إلى المنابر.
إن موريتانيا لا تحتاج فقط إلى توسيع تمثيل الفئات المهمشة بل إلى بناء عدالة في التمثيل والاهتمام لتجعل كل مواطن حاضرًا في حسابات الدولة بصرف النظر عن فئته الاجتماعي أو قوته السياسية أو قدرته على التأثير.
إن أخطر أشكال التهميش أن يُهمَّش الإنسان مرتين:
مرة بحرمانه من حقوقه. ومرة بحرمان معاناته من الاهتمام. 
وهنا لا نكون أمام أزمة فقر فحسب، بل أمام أزمة إنصاف ومواطنة.