مالي: المنعرج الحاسم… بين التعقل والانزلاق إلى التصعيد / محمد ولد عمار

يشهد الوضع في مالي تحولا مركبا تتداخل فيه المحددات الأمنية والسياسية والاقتصادية، بما يجعل مقاربته تتطلب قراءة بنيوية تتجاوز الانطباع السريع إلى تفكيك عميق لموازين القوى ومساراتها المحتملة. فالأزمة لم تعد مجرد اضطراب ظرفي، بل صارت تعبيرا عن اختلالات متراكمة في بنية الدولة، وفي علاقتها بهوامشها الجغرافية والاجتماعية.

في الشمال، عادت قضية أزواد إلى الواجهة، لكن بصيغة مختلفة عما سبق. لم تعد المسألة محصورة في مطالب سياسية أو ترتيبات حكم ذاتي، بل تحولت إلى واقع ميداني تتقاطع فيه اعتبارات محلية مع رهانات إقليمية ودولية. وفي هذا السياق، برزت الفاعليات المحلية المنظمة كعنصر لا يمكن تجاوزه، ليس فقط باعتبارها تعبيرا عن مطالب تاريخية، بل أيضا بوصفها أحد مفاتيح التوازن الممكن في منطقة تتنازعها قوى متعددة. فحضور هذه الفاعليات، رغم تعقيداته، يعكس في جانب منه محاولة لملء فراغ الدولة، وفي جانب آخر يطرح نفسه—بصورة غير مباشرة—كمدخل لأي تسوية مستدامة تعيد ربط الشمال بالمركز ضمن صيغة توافقية.

بالمقابل، يظل تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، عاملا ضاغطا يعيد تشكيل قواعد الاشتباك. فهذه الجماعات تعتمد استراتيجية استنزاف طويلة النفس، تقوم على إنهاك الدولة عبر استهداف بنيتها اللوجستية وقطع طرق الإمداد الحيوية. ومع كل طريق يغلق أو محور يعطل، تتآكل قدرة الدولة على الانتشار والاستجابة، وتتراجع ثقة السكان في فعاليتها، وهو ما يعمّق دائرة الهشاشة ويمنح الفاعلين غير النظاميين هامشا أوسع للحركة.

اقتصاديا، تنعكس هذه الديناميكية الأمنية بشكل مباشر على المؤشرات الكلية. فارتفاع تكاليف النقل، واضطراب سلاسل التموين، وتراجع النشاط الإنتاجي في مناطق التوتر، كلها عوامل تدفع نحو تضخم داخلي وتآكل القدرة الشرائية. كما أن توجيه الموارد المحدودة نحو الإنفاق العسكري يأتي على حساب الاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية، ما يكرس اختلالات هيكلية على المدى المتوسط. ومع ذلك، يظل تماسك الجبهة الداخلية—نسبيا—أحد عناصر الصمود، حيث لا يزال الشارع المالي ومعظم الفاعلين السياسيين يمنحون دعما للسلطة المركزية، بما يوفر حدا أدنى من الشرعية في مواجهة الضغوط.

سياسيا، تعيش البلاد تحت سلطة انتقالية منذ انقلاب مالي 2021، وهو ما أضاف طبقة جديدة من التعقيد. فإعادة تموضع باماكو في علاقاتها الدولية، والابتعاد النسبي عن بعض الشركاء التقليديين، لم يفض بعد إلى استقرار واضح، بل أسهم في تعميق حالة عدم اليقين. وفي ظل غياب أفق سياسي جامع، يبقى الاعتماد على المقاربة الأمنية وحدها محدود الأثر في معالجة جذور الأزمة.

أما على مستوى الآفاق، فيمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:

أولها، استمرار الوضع القائم ضمن توازن هش، حيث لا تنجح الدولة في استعادة السيطرة الكاملة، ولا تتمكن الجماعات المسلحة من حسم الصراع. وهو سيناريو يطيل أمد الأزمة ويستنزف الموارد تدريجيا.

ثانيها، الانزلاق نحو تصعيد أوسع، سواء عبر توسع نفوذ الجماعات المسلحة أو تفاقم التوترات في الشمال، بما قد يفضي إلى مزيد من التفكك الجغرافي وإضعاف وحدة الدولة.

أما المسار الثالث، وهو الأكثر تعقيدا لكنه الأقل كلفة على المدى البعيد، فيقوم على إعادة صياغة مقاربة شاملة، تتأسس على تسوية سياسية تعيد دمج الشمال ضمن عقد وطني جديد، بالتوازي مع إصلاحات اقتصادية ومؤسساتية عميقة. وفي هذا الإطار، يبرز الدور الممكن للفاعلين المحليين في الشمال كجزء من معادلة الحل، ليس فقط باعتبارهم طرفا في النزاع، بل أيضا كجسر محتمل بين المركز والهامش إذا ما أُحسن توظيفه ضمن رؤية جامعة.

في المحصلة، لا تقف مالي على حافة انهيار حتمي، بقدر ما تجد نفسها عند مفترق طرق حقيقي. فإما الاستمرار في دوامة الاستنزاف متعدد الأبعاد، أو الانتقال—بإرادة داخلية مدعومة ببيئة إقليمية ودولية مواتية—نحو إعادة بناء عقدها السياسي والأمني. وبين هذين الخيارين، يبقى الرهان الأساسي على وعي الفاعلين بأن كلفة اللااستقرار لم تعد قابلة للاحتواء، وأن التوازن المستدام لا يفرض بالقوة وحدها، بل يبنى بتوافق يراعي تعقيدات الواقع ويستثمر في إمكانات الحل الكامنة داخله.