وهم التحول ..... دوران في الفراغ / محمد ولد عمار

يبدو المشهد العام في موريتانيا وكأنه يعيد إنتاج نفسه بصيغ متقاربة، حتى وإن تغيرت الوجوه أو تبدلت الشعارات. فالأفكار تتكرر، والمعطيات ذاتها تعاد صياغتها، والأهداف ترفع بنفس اللغة تقريبا، بينما يظل الجوهر على حاله. إننا أمام حركة تبدو نشطة في ظاهرها، لكنها في عمقها أقرب إلى دوران في حلقة مغلقة، حيث التغيير شكلي أكثر منه بنيوي.

ليس الإشكال في غياب الكفاءات أو ندرة العقول، فالنخب من مفكرين وكتاب ونقاد وتكنوقراط حاضرة، بل إن حضورها لافت في كثير من الأحيان. غير أن هذه النخب، بدل أن تقود تحولات جذرية، تجد نفسها – عن قصد أو دون قصد – منخرطة في إعادة إنتاج نفس المنظومات الفكرية والعملية. يكفي أحيانا تغير طفيف في الزاوية، أو “انحراف” بمقدار تسعين درجة في الخطاب، حتى يخيل أن تحولا كبيرا قد حدث، بينما الحقيقة أن المسار ذاته لم يتبدل.

إنّ الإشكالية الأعمق تكمن في طبيعة العلاقة بين الفكرة ومآلاتها. فالفكرة، حين تطرح، تقدّم في ثوب جديد، لكن أدوات تنفيذها تظل تقليدية، محكومة بنفس العقليات ونفس البنى. وهنا يتجلى التناقض: انفتاح في الخطاب يقابله انغلاق في الممارسة، وتحديث في الشكل يقابله جمود في المضمون. وهكذا، يصبح التغيير مجرد إعادة ترتيب للواجهة، لا مساس له بالبنية العميقة.

من جهة أخرى، يبرز سؤال المسؤولية: هل هو خطأ كتب علينا، أم خيار نعيد إنتاجه بوعينا أو بلا وعي؟ إن تعليق الإخفاق على “القدر” يريح الضمير الجمعي، لكنه في الآن ذاته يعطل إمكانية النقد الذاتي. فالمجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تملك شجاعة مساءلة نفسها، لا الاكتفاء بتدوير الخطابات ذاتها في فضاءات مختلفة.

إن ما يميز الواقع الموريتاني اليوم هو هذه المفارقة الصارخة: حركة دائمة دون انتقال حقيقي. نحن نتحرك، نعم، لكننا لا نغادر نقطة البداية. تتبدل الأشكال، تتغير العناوين، لكن الدائرة تبقى هي نفسها، والمسار لا يكاد ينحرف عن خطه الأصلي.

ولعل السؤال الأهم ليس “إلى أين؟” بقدر ما هو: “كيف نكسر هذه الدائرة؟”. فالمخرج لا يكمن في مزيد من إعادة إنتاج الأفكار، بل في إعادة التفكير في آليات إنتاجها وتنزيلها. يتطلب ذلك شجاعة فكرية، واستقلالية في القرار، وقدرة على القطع مع المألوف حين يثبت عجزه.

في النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق تحولا حقيقيا ما لم ينتقل من منطق التكرار إلى منطق الابتكار، ومن إعادة تدوير النخب إلى تجديدها، ومن تغيير الشكل إلى مساءلة الجوهر. دون ذلك، سيظل السؤال معلقا، وستبقى الحركة قائمة… لكن في دائرة لا تنتهي.