يبدو أن موسكو لم تحسم بعد خيار “الحليف الواحد” في الأزمة المالية، بقدر ما تعتمد مقاربة براغماتية مرنة تقوم على تعدد القنوات، وتوزيع النفوذ، واختبار الفاعلين المحليين وفق ما يتيحه الميدان من فرص وتوازنات.
يمكن القول إن روسيا انتقلت من مرحلة “البحث عن موطئ قدم” إلى مرحلة “إدارة النفوذ”، دون أن تصل بعد إلى مستوى “التحالف الاستراتيجي المستقر”. وهذا الفرق جوهري، لأن التحالف المستقر يفترض وضوحا في الشركاء، وثباتا في الالتزامات، وهو ما لا يتوفر بعد في بيئة معقدة كبيئة الساحل.
منذ الانسحاب الفرنسي التدريجي، وجدت روسيا فرصة لإعادة التموضع عبر أدوات غير تقليدية، أبرزها ما يُعرف بـفيلق أفريقيا، الذي جاء ليملأ الفراغ الذي تركته مجموعة فاغنر بعد إعادة هيكلتها. هذا الفيلق لا يتحرك وفق منطق التحالفات الكلاسيكية، بل وفق منطق “الشبكة”: علاقات متوازية مع الدولة المركزية، وقنوات مفتوحة – ولو بشكل غير مباشر – مع فاعلين محليين في الشمال.
في هذا السياق، تبرز مسألة التفاهمات غير المعلنة مع حركة تحرير أزواد، والتي – إن صحت – تعكس إدراكا روسيًا بأن السيطرة في الشمال لا يمكن أن تدار فقط عبر مالي كدولة مركزية. الشمال له تعقيداته الإثنية والجغرافية، وأي فاعل خارجي يسعى إلى النفوذ هناك مضطر للتعامل مع القوى المحلية، سواء عبر التهدئة أو عبر ترتيبات ميدانية غير رسمية.
لكن هذه المقاربة تخلق ما يبدو “ازدواجية” في السلوك: دعم العمليات العسكرية للحكومة في الجنوب، مقابل نوع من البراغماتية الحذرة في الشمال. في الواقع، هذه ليست ازدواجية بقدر ما هي “تقسيم أدوار جغرافي”، هدفه تفادي الاستنزاف في مناطق يصعب حسمها عسكريا، مع الحفاظ على صورة الشريك الأمني للدولة.
أما ما يتداول بشأن تخلي الروس عن بعض مهام الحماية، مثل ملف “كويتا” أو غيره، ودخول أطراف أخرى كـتركيا بعقود أمنية مباشرة، فهو – إن تأكد – لا يعني بالضرورة تراجعًا روسيا، بل قد يفهم ضمن إعادة توزيع للأعباء. فروسيا تميل إلى التركيز على الملفات ذات العائد الاستراتيجي الأعلى (التأثير العسكري، الموارد، النفوذ السياسي)، بينما تترك بعض المهام “الخدمية الأمنية” لشركاء آخرين، خصوصا إذا كان ذلك يخفف الضغط اللوجستي ويبقي على النفوذ دون كلفة مرتفعة.
في العمق، ما يجري ليس صراع حلفاء بقدر ما هو “تداخل أدوار” بين قوى دولية تسعى جميعها إلى موطئ قدم في بيئة رخوة. تركيا تقدم نموذجًا مختلفا قائما على العقود الرسمية والتعاون التقني، بينما تعتمد روسيا على أدوات أكثر مرونة وأقل تقيدا بالبروتوكولات، ما يمنحها قدرة أكبر على المناورة، لكنه يضعها أيضا أمام تحدي بناء شراكات طويلة الأمد.
إن موسكو لم “تستقر” بعد على حليف نهائي في الساحل، بل هي في مرحلة إدارة توازنات معقدة: تختبر، تفاوض، وتعيد التموضع باستمرار. ما يبدو ترددا هو في الحقيقة استراتيجية قائمة على إبقاء الخيارات مفتوحة، إلى أن تتضح ملامح القوة الأكثر قدرة على الصمود ميدانيًا، والأكثر قابلية لتأمين المصالح الروسية بأقل كلفة ممكنة.
وفي بيئة مثل مالي، حيث تتغير التحالفات بسرعة، قد يكون هذا “اللايقين المدروس” هو الخيار الأكثر واقعية، حتى وإن بدا من الخارج كأنه غموض أو ازدواجية.

