أرى أن قضية لحراطين في موريتانيا من أكثر القضايا الاجتماعية والإنسانية تعقيدًا وحساسية، لما ارتبط بها تاريخيًا من مظاهر التهميش والإقصاء وضعف التمثيل الحقيقي. ورغم ما شهدته البلاد من تحولات سياسية وخطابات رسمية تؤكد المساواة والإنصاف، فإن جزءًا كبيرًا من أبناء لحراطين ما يزال يشعر بأن قضيته لم تُعالج بالجدية المطلوبة، بل تحولت أحيانًا إلى وسيلة للمتاجرة السياسية والارتزاق الخطابي أكثر من كونها مشروعًا للتحرر والتنمية والعدالة.
لقد خذلت بعض القيادات التي تصدرت الحديث باسم لحراطين هذه القضية، حين جعلتها مجالًا للمزايدات والشعارات الموسمية، فبدل أن تتحول إلى مشروع وطني جامع يهدف إلى بناء الإنسان وتمكينه علميًا واقتصاديًا وسياسيًا، أصبحت عند البعض وسيلة للظهور الإعلامي أو للحصول على المكاسب والمواقع. وهنا تكمن المأساة الحقيقية؛ إذ إن أخطر ما يواجه القضايا العادلة ليس خصومها فقط، بل أولئك الذين يعيشون عليها دون أن يقدموا حلولًا واقعية لمعاناة أهلها.
كما أن غياب الرؤية لدى كثير من هذه القيادات جعل الخطاب يدور في حلقة مفرغة من التكرار والتأزيم، دون إنتاج نخب قادرة على بناء مؤسسات أو اقتراح برامج عملية للنهوض بالتعليم والتشغيل والتنمية داخل الأوساط الهشة. فالقضية لا تُحل بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى قيادة تمتلك الوعي والكفاءة والقدرة على تجاوز منطق الضحية نحو منطق البناء والمشاركة الفعلية في صناعة القرار.
وفي المقابل، تتحمل الدولة والحكومات المتعاقبة جزءًا من المسؤولية، حين لم تمنح الفرصة الكافية لعدد كبير من شباب لحراطين المثقفين والمتحررين الذين يمتلكون الكفاءة والطموح والرؤية الوطنية. فهناك طاقات علمية وفكرية كبيرة ظلت بعيدة عن مواقع التأثير، بينما أُعيد إنتاج بعض الوجوه التقليدية التي لم تعد قادرة على إقناع الشارع أو تمثيل تطلعات الجيل الجديد.
إن إنصاف لحراطين لا يكون بإعادة تدوير الخطابات القديمة، ولا بتحويل القضية إلى تجارة سياسية، وإنما ببناء دولة مواطنة حقيقية، يكون معيارها الكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص. فحين يُمنح الشباب المتعلم حقه في المشاركة والقيادة، وحين تتحول القضية من خطاب احتجاجي إلى مشروع وطني للإصلاح، عندها فقط يمكن الحديث عن تجاوز المظالم التاريخية وبناء مستقبل أكثر عدلًا وإنصافًا لجميع الموريتانيين.

