من صناعة الخبر إلى صناعة القيم… كيف يعيد الإعلام تشكيل المجتمع الموريتاني؟/ محمد ولد عمار

لم يعد الإعلام في المجتمعات الحديثة مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو مواكبة الأحداث، بل أصبح أحد أهم الفاعلين في تشكيل الوعي الجماعي وإعادة صياغة القناعات الاجتماعية والثقافية والسياسية. فالكلمات التي تقال، والصور التي تبث، والقضايا التي تمنح الأولوية داخل المجال الإعلامي، لا تمر مرورا عابرا، بل تترك أثرا متراكما يعيد تشكيل نظرة المجتمع إلى ذاته وإلى الآخر وإلى طبيعة القيم التي تحكمه.

وفي موريتانيا، شهد المجال الإعلامي خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة، تزامنت مع توسع الفضاء الرقمي وصعود وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد الحضور الإعلامي غير التقليدي. هذا التحول لم يقتصر على الشكل أو الوسيلة، بل امتد إلى طبيعة الخطاب نفسه، وإلى الطريقة التي تدار بها القضايا المجتمعية داخل الفضاء العام.

لقد انتقل الإعلام الموريتاني من مرحلة الخطاب المحدود التأثير إلى مرحلة أصبح فيها قادرا على صناعة الاهتمام الجماعي وتوجيه النقاش العام وترتيب أولويات المجتمع. فالقضية التي تتكرر يوميا داخل المنصات الإعلامية تتحول تدريجيا إلى قضية مركزية داخل الوعي الجمعي، حتى وإن لم تكن في الأصل الأكثر إلحاحا. وهنا تكمن إحدى أخطر وظائف الإعلام؛ إذ لا يفرض على الناس كيف يفكرون فقط، بل يحدد لهم أيضا ما الذي ينبغي أن يفكروا فيه.

ضمن هذا السياق، برزت موضوعات الهوية والانتماء والخطاب الشرائحي والسلم الأهلي بوصفها محاور دائمة داخل المشهد الإعلامي الموريتاني. ومع التكرار المستمر لبعض المضامين، بدأت تظهر تحولات واضحة في طبيعة النقاش المجتمعي، حيث تراجع الخطاب الهادئ لصالح خطاب أكثر حدة واستقطابا، وأصبحت الإثارة أحياناً تتقدم على المعالجة الرصينة، بينما تحولت بعض المنصات إلى ساحات مفتوحة لإعادة إنتاج التوترات الاجتماعية والسياسية.

ولا يرتبط تأثير الخطاب الإعلامي دائماً بالتأثير المباشر أو اللحظي، بل غالبا ما يتشكل بصورة تراكمية وبطيئة. فالإعلام لا يغيّر القيم دفعة واحدة، لكنه يعيد تعريف المقبول والمرفوض بشكل تدريجي، ويمنح الشرعية لبعض الأنماط الفكرية والسلوكية من خلال التكرار والانتشار والتطبيع المستمر مع الخطاب المتداول.

ومن هنا يمكن فهم التحولات التي عرفها المجتمع الموريتاني خلال العقد الأخير، حيث بدأت بعض القيم التقليدية المرتبطة بالتوازن الاجتماعي والاحترام المتبادل والتماسك المجتمعي تواجه تحديات متزايدة تحت تأثير بيئة إعلامية مفتوحة وسريعة التفاعل. كما أن سرعة تداول المحتوى، وغياب التحقق أحيانا، وهيمنة الانفعال على التحليل، كلها عوامل ساهمت في خلق مناخ إعلامي شديد الحساسية تجاه القضايا الاجتماعية والسياسية.

وفي المقابل، لا يمكن اختزال الإعلام في كونه أداة لإنتاج التوتر فقط، فهو يمتلك أيضا قدرة كبيرة على تعزيز السلم الأهلي وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح إذا ما تم توظيفه بصورة مهنية ومسؤولة. فالإعلام القادر على تقديم التنوع الاجتماعي باعتباره مصدر قوة، وعلى إدارة الاختلاف ضمن إطار وطني جامع، يمكنه أن يلعب دورا محوريا في حماية الاستقرار المجتمعي وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة.

غير أن تحقيق هذا الدور يظل مرتبطا بمدى حضور المسؤولية المهنية والأخلاقية داخل الممارسة الإعلامية. فحرية التعبير لا تعني غياب الضوابط، والانفتاح الإعلامي لا ينبغي أن يتحول إلى فضاء للفوضى أو التحريض أو تفكيك الثقة الاجتماعية. إن المجتمعات المتعددة البنى الاجتماعية والثقافية تحتاج إلى خطاب إعلامي أكثر وعيا بحساسية التوازنات الداخلية، وأكثر إدراكا لخطورة الكلمة حين تتحول من أداة للنقاش إلى وسيلة لإنتاج الانقسام.

لقد أوجد الإعلام الرقمي واقعا جديدا لم تعد فيه المؤسسات التقليدية وحدها قادرة على صناعة الرأي العام، بل أصبح كل فرد يمتلك إمكانية التأثير والنشر والتوجيه. وهذا التحول، رغم ما يحمله من توسيع لفضاء التعبير، خلق أيضا تحديات غير مسبوقة تتعلق بانتشار الأخبار الزائفة، وتصاعد خطاب الكراهية، وتراجع الحدود الفاصلة بين المعلومة والرأي والانفعال.

ومع ذلك، فإن مستقبل الخطاب الإعلامي في موريتانيا سيظل مرتبطا بقدرته على الانتقال من منطق الاستقطاب إلى منطق البناء، ومن صناعة التوتر إلى صناعة الثقة، ومن إدارة الاختلاف بوصفه صراعا إلى التعامل معه باعتباره تنوعا طبيعيا داخل مجتمع متعدد ومترابط.

فالإعلام، في النهاية، ليس مجرد مرآة تعكس المجتمع، بل قوة تشارك في تشكيله وإعادة إنتاج قيمه وصياغة اتجاهاته المستقبلية.