سونكو - فاي .... النبض و البوصله / محمد ولد عمار

كان السنغال، لعقود طويلة، يقدم نفسه باعتباره الاستثناء الهادئ في غرب إفريقيا؛ دولة تتغير فيها الحكومات دون أن تهتز الدولة، وتتبدل فيها التحالفات دون أن تنكسر المؤسسات. لكن ما يعيشه البلد اليوم يبدو أقرب إلى انتقال معقد من لحظة الانتصار السياسي إلى لحظة إعادة ترتيب السلطة ذاتها. فالسؤال لم يعد متعلقا بمن يحكم السنغال، بل بمنطق الحكم الذي ستتبناه الدولة في السنوات المقبلة.

ففي البدايات بدا أن مشروع التغيير الذي حمل الرئيس باسيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو إلى قلب السلطة يمثل حالة سياسية جديدة تقوم على خطاب القطيعة مع النخب التقليدية، وعلى وعود إعادة توزيع النفوذ والثروة وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. غير أن الانتقال من خطاب المعارضة إلى إدارة الدولة غالبا ما يكشف فجوة بين الحلم السياسي ومقتضيات المؤسسات.

وقد جاءت النقاشات القانونية المتعلقة بإمكانية عودة عثمان سونكو إلى البرلمان لتكشف عن جانب من هذا التحول؛ إذ لم تعد المسألة مجرد نقاش حول وضعية شخصية سياسية ذات وزن شعبي، بل أصبحت مرتبطة بتفسير النصوص وحدود التأويل القانوني وقدرة المؤسسات على استيعاب واقع سياسي غير مسبوق.

غير أن المعطى الجديد المتمثل في تعيين أحمدو الأمين محمد لو وزيرا أول يضيف طبقة أخرى من المعاني تتجاوز مجرد ملء شغور حكومي. فالتعيين في ذاته يبدو أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى إجراء إداري عادي.

ذلك أن الرجل لا يعرف أساسا كزعيم حزبي جماهيري ولا كشخصية صنعت حضورها عبر الصراع السياسي التقليدي، بل كإطار تكنوقراطي ارتبط بإدارة الملفات الاقتصادية وبرامج التخطيط والتحول الاستراتيجي. واختيار شخصية بهذه المواصفات في هذا التوقيت بالذات لا يبدو معزولا عن طبيعة المرحلة التي يمر بها البلد.

فالسلطة التي وصلت بخطاب تعبوي وشعبي تبدو وكأنها تنتقل تدريجياً إلى منطق أكثر مؤسساتية؛ من مرحلة الحشد إلى مرحلة الإدارة، ومن زمن الزعامة السياسية إلى زمن الدولة البيروقراطية. وكأن الرئيس ديوماي فاي يبعث بإشارة ضمنية مفادها أن الدولة لا يمكن أن تدار فقط بمنطق التعبئة السياسية، بل تحتاج أيضا إلى أدوات أكثر هدوءا وانضباطا.

ومن زاوية أخرى، قد يقرأ التعيين باعتباره محاولة لإعادة رسم مركز الثقل داخل السلطة نفسها. ففي الأنظمة السياسية، لا تكون التعيينات الكبرى مجرد اختيار للأشخاص، بل تكون أيضا إعادة توزيع للنفوذ والرسائل والرموز. وعندما يستبدل مركز سياسي ذي حضور جماهيري واسع بشخصية ذات طابع تكنوقراطي، فإن ذلك يثير سؤالا مشروعا حول الاتجاه الذي تسير نحوه السلطة.

هل نحن أمام انتقال من مرحلة "ثنائية ديوماي ـ سونكو" إلى مرحلة يصبح فيها الرئيس أكثر حضوراً واستقلالية في هندسة السلطة؟ أم أننا أمام إعادة ترتيب مؤقتة تفرضها ضرورات المرحلة دون أن تمس جوهر التوازنات داخل معسكر الحكم؟

وهنا تحديدا يدخل السنغال منطقة سياسية حساسة؛ لأن الأنظمة التي تقوم على تحالفات قوية أثناء المعارضة تواجه غالبا اختبارا صعبا عند الانتقال إلى الحكم. ففي المعارضة تتوحد القوى ضد خصم مشترك، أما في السلطة فتظهر أسئلة توزيع الصلاحيات وحدود النفوذ وموقع كل طرف داخل المعادلة الجديدة.

ولا يبدو أن السنغال يسير بالضرورة نحو أزمة مؤسسات، لكنه ربما يتجه نحو مرحلة إعادة تعريف للعلاقة بين الشرعية الشعبية والشرعية المؤسساتية. فالرئيس ديوماي فاي يجد نفسه اليوم أمام معادلة دقيقة: المحافظة على روح مشروع التغيير من جهة، وضمان استقرار الدولة ومؤسساتها من جهة أخرى.

أما عثمان سونكو، سواء عاد إلى البرلمان أو لم يعد، فإن حضوره لم يعد مرتبطا فقط بمنصب رسمي، بل أصبح جزءا من معادلة سياسية أوسع تتجاوز المواقع الإدارية. ولذلك فإن الجدل القائم حول وضعيته القانونية، على أهميته، قد يخفي سؤالا أكثر عمقا: من يقود المرحلة المقبلة فعليا؟ الأشخاص أم المؤسسات؟

ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه السنغال ليس الخلاف السياسي في ذاته، فالديمقراطيات تعيش على الاختلاف، وإنما أن يتحول الخلاف إلى حالة مستمرة تجعل كل خطوة سياسية كبرى تبدو وكأنها اختبار لشرعية الدولة نفسها.

فالسنغال لا يقف اليوم أمام أزمة أشخاص، بل أمام لحظة إعادة تشكيل. وتعيين أحمدو الأمين محمد لو قد يكون أول مؤشر على أن السلطة بدأت تتحرك من منطق الثورة السياسية إلى منطق بناء الدولة.

ويبقى السؤال الأكبر: هل يقود هذا التحول السنغال إلى مزيد من الاستقرار المؤسسي، أم أنه مجرد بداية لإعادة ترتيب أعمق لم تتضح معالمها.