في بلدية الباطن لا تحتاج إلى إحصائيات معقدة لتفهم حجم المأساة. يكفي أن تمر على مدارس القرى فتجد مستقبل جيل كامل محشورا داخل حجرتين. حجرتان يفترض أن تختزلا كل معنى التعليم، وأن تتحملا عبء أطفال جاؤوا من بيوت يرون في القلم طريق النجاة الوحيد.
هنا لا نتحدث عن نقص في التجهيز أو عن تأخر بسيط يمكن تداركه. نحن أمام انهيار في أبسط شروط الدولة تجاه مواطنيها. كيف لطفل أن يحلم بمسابقة دخول السنة الأولى الإعدادية وهو يدرس في حجرتين دون ارتياح؟ وكيف له أن يفكر في ختم دروس الإعدادية وشهادة قد تفتح له باب الثانوية وهو يعلم أن لا إعدادية في بلديته، وأن الطريق إليها طويل ومكلف، وأن أسرته بالكاد توفر له الكتاب والدفتر؟
يعلن كل عام عن نسب نجاح وطنية تسر الناظرين. تتحدث عن ارتفاع في نسبة النجاح في مسابقة دخول الإعدادية إلى أكثر من 63 بالمائة، وتحتفي بتفوق البنات في تسع ولايات، وتكرم الأوائل. لكن هذه الأرقام تتحول إلى سراب حين تصل إلى الباطن. فالأرقام الوطنية لا تسكن في حجرتين، ولا تقطع المسافات على الأقدام، ولا تنام بلا كهرباء. الفجوة بين المركز والهامش ليست رقما في جدول، بل هي حلم يموت كل صباح على عتبة مدرسة لا تليق حتى بأن تكون مخزنا.
المشكلة ليست في التلميذ ولا في اجتهاده. المشكلة في سياسة تعليمية ما زالت ترى أن القرى يمكنها أن تكتفي بالفتات. تعطيها حجرتين وتطلب منها أن تنتج مهندسين وأطباء وأساتذة. تطلب من المعلم أن ينجز المستحيل بلا وسائل، ومن التلميذ أن ينافس أبناء العاصمة وهو محروم من أبسط الظروف. ثم إذا سقط في المسابقة قيل له "لم تجتهد"، وإذا نجح ولم يجد مقعدا في الإعدادية قيل له "هذه هي الحياة".
بين مسابقة الدخول ومسابقة الختم يضيع الحلم. يضيع بين جدارين متصدعين وبين وعود مؤجلة وبين صمت رسمي يبدو كأنه رضا بالأمر الواقع. والضحية دائما هو ذلك الطفل الذي لا ذنب له إلا أنه ولد في المكان الخطأ من الخريطة.
إن بناء وطن لا يكون بالخطابات ولا بالاحتفالات بنسب النجاح. يكون بحجر وأسمنت، بمعلم مؤهل، بإعدادية في كل بلدية، وبإيمان حقي أن أطفال الباطن يستحقون نفس الفرصة التي يحصل عليها أطفال نواكشوط. ما دام التعليم حكرا على من يملك القرب من المركز، فستظل التنمية حلما مؤجلا، وستظل الهجرة الداخلية والنزوح إلى المدن قدرا محتوما لأبناء القرى.
حجرتان ومستقبل يضيع / سيد محمد اسلم

