خريطة طريق... أم دوران في نقطة البداية؟"/ محمد عمار

كلما أعلن عن "خريطة طريق للحوار"، تتجه الأنظار إلى العنوان الكبير، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية معلقة في انتظار الإجابة.

أي اتفاق تم التوصل إليه؟ وأي طريق رسم للمستقبل؟ وأي حوار هو المقصود؟ وهل نحن أمام حوار يؤسس لمرحلة جديدة، أم مجرد محطة عابرة في مسار سياسي اعتادت فيه الشعارات أن تسبق النتائج؟

الحوار في حد ذاته ليس غاية، بل وسيلة. وقيمته لا تقاس بعدد المشاركين ولا بطول الجلسات، وإنما بما يفضي إليه من حلول قابلة للتنفيذ، وما يحققه من مكاسب للوطن والمواطن.

ومن هنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها: ما طبيعة التنازلات التي قدمت؟ وهل كانت تنازلات متبادلة من أجل المصلحة الوطنية، أم أنها تنازلات سياسية تخدم أطرافا بعينها؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذا المسار؟ وهل المستفيد هو الدولة بمؤسساتها، أم القوى السياسية، أم المواطن الذي ينتظر تحسينا في حياته اليومية؟

ثم أين يقف الوطن في كل ذلك؟ وأين المواطن؟ وأين التنمية التي يفترض أن تكون الغاية النهائية لأي توافق سياسي؟

إن أي تفاهمات لا تنعكس على الأمن، والتعليم، والصحة، وفرص العمل، والعدالة، وتحسين مستوى المعيشة، تبقى تفاهمات تدور في الفضاء السياسي أكثر مما تلامس واقع الناس.

قد يبدو المشهد وكأن الماراثون قد انطلق، لكن الحقيقة أن الجميع ما زال عند نقطة البداية. فالبيانات شيء، والتنفيذ شيء آخر. والوعود لا تصنع تحولا ما لم تتحول إلى سياسات وبرامج ومشروعات يشعر المواطن بأثرها في حياته.

ويبقى السؤال: من كان أول المنطلقين في هذا السباق؟ ومن سيكون أول المستفيدين؟ وبأي أجندة يتحرك الجميع؟ هل هي أجندة وطنية جامعة، أم حسابات مرحلية تفرضها موازين القوى؟

إن نجاح أي حوار لا يقاس بما يقال في قاعات الاجتماعات، بل بما يتغير خارجها. فإذا انتهى الحوار إلى تعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ الثقة، وفتح آفاق التنمية، فقد حقق غايته. أما إذا بقي حبيس البيانات والاحتفالات الإعلامية، فإن نقطة البداية ستظل هي نفسها نقطة النهاية.

وفي النهاية، لا يحتاج المواطن إلى حوار من أجل الحوار، بل إلى حوار يفتح الطريق أمام دولة أكثر استقرارا، واقتصاد أكثر إنتاجا، ومؤسسات أكثر كفاءة، وعدالة يشعر بها الجميع. عندها فقط تصبح خريطة الطريق طريقا حقيقيا نحو المستقبل، لا مجرد عنوان جديد في سجل المبادرات السياسية.