قرى الباطن... والمستويات الثلاثة للتهميش/ سيد محمد اسلم

في قرى بلدية الباطن لا يتحدث الناس عن "مشكلة واحدة". يتحدثون عن طبقات من الغياب، تتراكم فوق بعضها حتى صار من الصعب فصل سبب عن نتيجة.
المستوى الأول هو مستوى الخدمات الأساسية. هنا يبدأ كل شيء وينتهي. الماء لا يصل إلا بصعوبة، والكهرباء ليس في العيرولا النفير، والطريق يتحول إلى فخ في الخريف. المدرسة موجودة بالاسم لكنها تفتقر للمعلم والكتاب، والمركز الصحي بلا طبيب بالمعنى الحقيقي ولا دواء. هذا المستوى هو الذي يمس حياة الناس اليومية مباشرة، وهو الذي يجعل المواطن يشعر أنه خارج دائرة الاهتمام.
المستوى الثاني هو مستوى التمثيل السياسي. وهو الأخطر لأنه كان من المفترض أن يكون الحل. في المناصب الانتخابية والوجهاء هم الجسر بين القرية والقرار. لكن في الباطن هذا الجسر مكسور. الحضور موسمي، والخطاب انتخابي، والمتابعة غائبة. تحولت النخبة من مدافع عن ملف جماعي إلى باحث عن امتيازات فردية. فبدل أن يُطرح ملف الباطن كقضية تنموية على طاولة الحكومة كل سنة، صار يُطرح كصورة في حملة ثم يُنسى. وهكذا انتقل التهميش من الإدارة إلى السياسة.
المستوى الثالث هو مستوى الوعي والخطاب العام. فالباطن غائبة عن الإعلام، وغائبة عن النقاش الوطني، وغائبة حتى عن تقارير التنمية. لا أحد يتحدث عنها إلا وقت الأزمات. صارت تُذكر كرقم في الإحصاء لا كمجتمع له تاريخ وحقوق. وهذا الغياب الإعلامي والمعنوي جعل الصوت المبحوح لأهلها لا يسمعه أحد، فتعب الصوت وسكت.
هذه المستويات الثلاثة متداخلة. غياب الخدمات ينتج يأساً، ويأس الناس ينتج عزوفاً سياسياً، والعزوف يمنح النخبة المقصرة راحة أكبر، وغياب النخبة يعمق غياب الخدمات. دائرة مغلقة.
كسر هذه الدائرة لا   . يحتاج لكثير سوى  لإرادة في المستويات كلها معاً. نخب تعتبر أن الإنصاف يبدأ من الأطراف لا من المركز. ونخبة تختار أن تكون صوت القرى لا صدى للسلطة. ومجتمع مدني وإعلام يخرج الباطن من الظل ويضعها في قلب النقاش.
حتى ذلك يحدث، ستبقى قرى الباطن مثالاً حياً على أن التهميش ليس حدثاً واحداً. هو مستويات... تتراكم، وتُبحّ الصوت، وتُفرغ السياسة من معناها.