لا يمكن الحديث عن مواطنة راسخة في أي مجتمع دون المرور أولاً عبر ذاكرته. فالمواطنة ليست نصاً دستورياً معلقاً في الهواء، بل هي علاقة يومية يعيشها الناس مع دولتهم. وحين تكون هذه العلاقة مثقلة بتراكمات تاريخية من الظلم والإقصاء، فإن بناء دولة القانون يتحول من مشروع إداري إلى مشروع أخلاقي وسياسي معقد.
إن المظالم التاريخية لا تموت بمجرد إعلان استقلال أو صدور دستور جديد. هي تظل حية في الوعي الجمعي، وفي التفاوتات الاجتماعية، وفي طرق توزيع السلطة والثروة. عندما تشعر جماعة ما بأنها دفعت ثمناً باهظاً من الكرامة والأرض والفرص، فإنها لا تتعامل مع الدولة كطرف محايد. تتعامل معها كخصم يجب مراقبته والتشكيك في نواياه. وهنا يبدأ التصدع الأول للمواطنة، لأن المواطن لا ينتمي لوطن لا يشعر أنه ينتمي إليه.
وفي المقابل، لا يمكن لأي دولة أن تنهض على أساس الانتقام أو المحاسبة المفتوحة التي تعيد إنتاج الصراع. فالغاية من دولة القانون هي قطع دائرة الثأر، وتحويل المطالب إلى حقوق، والصراعات إلى مؤسسات. لكن هذا يتطلب شجاعة سياسية نادرة: شجاعة الاعتراف. فدولة القانون التي تتجاهل الماضي تكون أشبه ببيت يُبنى فوق تربة متحركة. قد يبدو متماسكاً من الخارج، لكنه مهدد بالانهيار عند أول هزة.
إن المعادلة الصعبة تكمن في الجمع بين مطلبين يبدوان متعارضين. الأول هو جبر الضرر ورد الاعتبار، ليس كمنة، بل كحق. والثاني هو تأسيس قواعد جديدة يخضع لها الجميع بلا استثناء. فبدون الاعتراف بالمظالم، سيظل القانون يُنظر إليه كأداة في يد الأقوى. وبدون القانون، سيتحول جبر الضرر إلى صراع مصالح لا ينتهي.
إن دولة القانون الحقيقية لا تلغي الهويات الفرعية ولا تصادر الذاكرة، لكنها تضع فوقها سقفاً مشتركاً اسمه المواطنة المتساوية. مواطنة لا تسأل عن الأصل أو اللون أو الانتماء القبلي عند التوظيف أو أمام القضاء أو في المدرسة. مواطنة تُقاس بعدالة المدرسة العمومية في المناطق التي هُمشت، وبشفافية الوظيفة العمومية، وباستقلال القضاء الذي لا يخاف من اسم ولا يتحيز لجهة.
الطريق إلى ذلك ليس خطياً. هو مسار مزدوج يجب أن يسير في وقت واحد. مسار للمصالحة يشمل الحوار والاعتراف والتعويض الرمزي والمادي. ومسار مؤسساتي يشمل إصلاح الإدارة، وتكافؤ الفرص، ولامركزية تمنح المناطق المهمشة حقها في القرار والتنمية. أحدهما بلا الآخر ينتج إما نسياناً قسرياً يولد الغضب، أو محاسبة عبثية تعيدنا للمربع الأول.
وفي النهاية، المواطنة ليست هدية تمنحها الدولة لشعبها، ولا هي مطلب ترفعه جماعة على أخرى. هي عقد جديد نكتبه معاً. عقد يعترف بأن الماضي جرحنا جميعاً بدرجات مختلفة، ويؤمن بأن المستقبل لا يمكن بناؤه إلا بقانون واحد يحمينا جميعاً.
عندها فقط تتحول المواطنة من شعار مرفوع في الخطابات، إلى شعور يومي بأن هذه الدولة هي بيتي، وأن القانون هو السقف الذي يحميني أنا وجاري على حد سواء.
المواطنة بين إكراهات المظالم التاريخية وبناء دولة القانون/ سيد محمد اسلم

