بين يدي كتاب «حوار الحضارات».. حين يصبح الاختلاف جسرا لا جدارا / محمد ولد عمار

في زمن تتسع فيه دوائر الصراع أكثر مما تتسع مساحات التفاهم، يأتي كتاب البروفسير محمدو لمرابط أجيد، «حوار الحضارات: دراسة تأصيلية نقدية في مفهوم الحضارة والعلاقة بين الحضارات»، ليعيد طرح سؤال قديم متجدد: هل اختلاف الحضارات قدر يقود إلى الصدام، أم فرصة يمكن أن تفتح الطريق أمام التعارف والتعاون؟

أهمية الكتاب لا تكمن في عنوانه وحده، وإنما في محاولة مؤلفه تفكيك المفاهيم التي تحيط بفكرة الحضارة والحوار، بعيدا عن التناول الإنشائي الذي غالبا ما يحول «حوار الحضارات» إلى شعار دبلوماسي جميل، منفصل عن واقع السياسة وموازين القوة والتاريخ.

فالحضارات، ليست جزرا معزولة، ولا كيانات مغلقة تتواجه على خطوط تماس ثابتة. إنها حصيلة تفاعلات طويلة، أخذت خلالها الأمم والشعوب وأعطت، وتداخلت الأفكار والمعارف والتجارب، حتى أصبح من الصعب رسم حدود صلبة بين ما هو «ذاتي» وما هو «وافد».

ومن هنا تأتي أهمية مساءلة النظريات التي اختزلت مستقبل العالم في فكرة صدام الحضارات. فالصراع في عالم اليوم لا يمكن تفسيره دائما بالاختلاف الثقافي أو الديني؛ إذ تتداخل فيه المصالح الاقتصادية، وحسابات القوة، والجغرافيا السياسية، والطاقة، والأمن، والتنافس على النفوذ. وما يجري في مناطق مختلفة من العالم، من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط والساحل الإفريقي، يقدم أمثلة واضحة على هذا التعقيد.

وفي مقابل مفهوم الصدام، يستحضر المؤلف مفهوم «التدافع» في القرآن الكريم، بما يفتح مجالا لقراءة مختلفة للعلاقة بين القوى والأفكار والمجتمعات. فالتدافع لا يعني بالضرورة الإلغاء، وإنما يفترض وجود اختلاف وتنافس وتفاعل، يمكن أن يقود إلى التوازن أو التعاون، كما يمكن أن ينزلق إلى العنف حين تغيب العدالة وتختل موازين القوة.

لكن الحوار الحقيقي لا يبدأ من افتراض امتلاك طرف للحقيقة كاملة، ولا من مطالبة طرف آخر بالتنازل عن هويته. الحوار هو، قبل كل شيء، اعتراف متبادل بالإنسان وحقه في الاختلاف. ولذلك فإن الدفاع عن الخصوصية الحضارية لا ينبغي أن يتحول إلى انغلاق، كما أن الانفتاح على الآخر لا ينبغي أن يتحول إلى ذوبان.

وهنا تكمن إحدى القضايا الأكثر حساسية في العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب. فالمطلوب ليس إنتاج صورة مثالية عن الذات، ولا بناء صورة شيطانية عن الآخر. التاريخ، بما فيه من صراع وتبادل وتأثير متبادل، أكثر تعقيدا من هذه الثنائية. والحاضر بدوره يفرض على الجميع تجاوز الأحكام الجاهزة، والبحث عن المصالح المشتركة التي يمكن أن تجعل الاختلاف عاملا للإثراء بدلا من أن يكون وقودا للمواجهة.

ولعل قيمة الكتاب تتضاعف عندما ينقل النقاش من مستوى التنظير إلى واقع الحروب والأزمات المعاصرة. فالحوار الحضاري لا يختبر فقط في الجامعات ومراكز الدراسات والمؤتمرات، وإنما يختبر عندما تتعارض المصالح، وعندما تتحول الهوية إلى أداة سياسية، وعندما يصبح الدين أو الثقافة وسيلة للتعبئة والصراع.

وفي منطقة الساحل الإفريقي تحديدا، تبدو الحاجة إلى هذا النوع من التفكير أكثر إلحاحا. فالاضطرابات التي تعصف بالمنطقة لا يمكن اختزالها في عامل واحد؛ فهي نتيجة تداخل هشاشة الدولة مع التنافس الإقليمي والدولي، والتحديات الأمنية، والفقر، والحدود المفتوحة، والموارد، والتحولات الاجتماعية. ولذلك فإن قراءة هذه المنطقة بمنطق «صراع الحضارات» وحده قد تحجب أكثر مما تكشف.

ومن موريتانيا، التي شكل موقعها الجغرافي والتاريخي فضاء للتفاعل بين المغرب العربي والصحراء وغرب إفريقيا، تبدو فكرة الحوار الحضاري ذات صلة خاصة. فالتنوع في دوائر الانتماء والتأثير ليس بالضرورة مصدرا للتناقض، بل يمكن أن يكون رصيدا سياسيا وثقافيا إذا أدير بمنطق الانفتاح والتوازن.

كتاب محمدو لمرابط أجيد، بهذا المعنى، ليس مجرد إضافة إلى رف المكتبة الأكاديمية، بل محاولة لإعادة النقاش إلى جذره: كيف نحافظ على خصوصيتنا الحضارية دون أن نحولها إلى جدار، وكيف ننفتح على الآخر دون أن نفقد ذواتنا؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحا.

فالحوار ليس أن نتفق على كل شيء، وليس أن يتخلى أحد عن هويته لصالح الآخر؛ الحوار هو أن نمتلك القدرة على الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، وأن ندرك أن الحضارة التي تثق بذاتها لا تخشى الحوار، وأن العالم الذي يختار التفاهم، مهما كان صعبا، يظل أقل كلفة من عالم يترك للصدام مهمة تحديد المستقبل.