في الحياة السياسية، لا تقاس مصداقية الفاعلين بما يقولونه عندما يكونون في المعارضة أو السلطة، وإنما بمدى ثباتهم على المبادئ نفسها مهما تبدلت المواقع. فالسياسة التي تبنى على المواقف الظرفية سرعان ما تفقد احترام الرأي العام، لأن المواطن أصبح أكثر قدرة على مقارنة الخطاب بالأفعال.
وفي الواقع الموريتاني، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة لافتة تتمثل في انتقال بعض الفاعلين السياسيين بين مواقف متناقضة. فمن كان يرفض تعديل الدستور أو تمديد المأموريات بالأمس، قد يصبح اليوم من أبرز المدافعين عنها إذا تغيرت مصالحه السياسية، والعكس صحيح. وهذا لا يقتصر على تيار أو حزب بعينه، بل هو سلوك عرفته أطراف من مختلف المواقع.
إن الدعوة إلى تعديل الدستور أو الإبقاء على رئيس في السلطة ليست في حد ذاتها جريمة سياسية، كما أن رفضها ليس فضيلة مطلقة. الفيصل الحقيقي هو القناعة؛ فمن يؤمن بمبدأ معين عليه أن يدافع عنه سواء خدم مصالحه أم لم يخدمها. أما تغيير المواقف تبعًا لتغير الأشخاص، فإنه يضعف الثقة في الخطاب السياسي ويجعل المواطن يشك في أن الدافع هو المصلحة لا المبدأ.
وموريتانيا تحتاج اليوم إلى ترسيخ ثقافة احترام الدستور والمؤسسات، وإلى نقاشات سياسية تبنى على البرامج والإصلاحات، لا على الأشخاص. كما تحتاج إلى نخب تدرك أن التداول السلمي على السلطة واستقرار المؤسسات أهم من المكاسب السياسية الآنية.
إن أخطر ما يواجه العمل السياسي ليس الاختلاف في الرؤى، بل فقدان المصداقية. فحين يشعر المواطن أن المبادئ تستبدل وفق موازين القوة، يتراجع إيمانه بالسياسة نفسها، ويزداد العزوف عن المشاركة في الشأن العام.
وفي النهاية، يبقى الرصيد الحقيقي لأي سياسي هو ثباته على قناعاته، لا قدرته على تبرير التناقضات. فالمواقف قد تختلف، لكن احترام الدستور، والاتساق مع الذات، والصدق مع الرأي العام، هي الأساس الذي تبنى عليه الثقة وتستقيم به الحياة الديمقراطية.

