صرخة وطن / محمد ولد عمار

في بلدٍ يمضي في عامه الخامس والستين من الاستقلال، يصبح السؤال عن الوجوه التي تظهر في الساحة سؤالًا عن حقيقة الضمير لا عن ملامح الأشخاص. فهناك من يملك وجهًا لا يتغير كلما تغيرت الحكومات، ومن يملك صمودًا لا يلين تحت ضجيج الامتيازات، ومن يؤمن برسالة يتقدم بها ولا يساوم عليها، ومن يظل متمسكًا بالأهداف حتى لو لم تتجسد على أرض الواقع. هؤلاء قليلون، لكنهم يمثلون البوصلة التي تحدد اتجاه الوطن حين تختلط الطرق وتتعطل المعايير.

ومع حلول ذكرى الاستقلال، يتقدم سؤال الأخلاق إلى الواجهة بقوة: أيُّ استقلال نحتفل به إذا كان الرأي نفسه قد فقد استقلاله؟ لقد مرّت خمسة وستون سنة من بناء الدولة، من رفع العلم، من كتابة الدستور، ومن محاولات تشكيل مجتمع قادر على حماية معناه وكرامته، لكن شيئًا من هذا كله يفقد بريقه حين تتحوّل الأصوات التي كان يفترض بها أن تكون حارسة للوعي إلى أبواق تُباع وتشترى، أو إلى واجهات لخطابات لا علاقة لها بمصلحة الناس. إن من يرتدون اليوم ثياب “قادة الرأي” يتحدثون بلغة المبادئ حين تكون الكاميرات مفتوحة، ويتحدثون بلغة الحسابات حين تنطفئ الأضواء.

لقد صار المشهد أشبه بمسرح كبير: أسماء تُلمّع، وجوه تُهيّأ، خطابات تُصنع بحرفية تسويقية عالية، لكن ما إن تأتي اللحظة الحاسمة حتى يتكشف أن كثيرًا من تلك الوجوه لم تكن سوى واجهات من ورق. يبني بعضهم اسمًا بجهد كبير، أو يراكم حضورًا إعلاميًا بصوت مرتفع، ثم ينهار كل ذلك عند أول مفترق، حين يُكشف أن البناء كله لم يكن قائمًا على مبدأ، بل على قدرة فريدة على تغيير المواقع دون خجل. أي نهاية أشد إيلامًا من أن يسقط القناع فيكتشف الناس أنهم كانوا يتبعون ظلًا لا صاحبًا؟

وفي ذكرى الاستقلال، يصبح لهذا الانهيار معنى أخطر. فالرأي حين يفقد صدقه يفقد المجتمع أحد أهم أَعمدته الأخلاقية. والدولة حين تُحاط بأصوات مدفوعة تتحول تدريجيًا إلى كيان معزول عن شعبه، وإلى مشروع بلا وجدان عام. إن استقلال الأمم لا يُقاس فقط باستقلال أرضها، بل باستقلال ضمائر أبنائها، وبقدرتهم على قول الحقيقة دون بيعها في سوق السياسة.

لقد تحوّل بعض الشخصيات الموصوفة بقادة الرأي إلى تجار نفوذ ناعم، يقدمون خدماتهم لكل من يريد توجيه الرأي العام مقابل مكاسب يبرّرونها بعبارات فضفاضة. إنهم يتاجرون بمن؟ يتاجرون بالناس، وبثقتهم، وبحقهم في أن يسمعوا رأيًا نزيهًا غير مشروط. ويتاجرون بماذا؟ يتاجرون بسمعة الوطن نفسه، حين يجعلون الكلمة وسيلة لطمس العيوب بدل كشفها، ولترقيع الواقع بدل إصلاحه. وليس هناك ما يهدد استقلال بلد بعد ستة عقود ونصف بقدر ما يهدده هذا التساهل في بيع المعنى.

فالوعي العام ليس رفاهية، بل هو رصيد من القيم يجب أن يبقى في مأمن من المساومات. وإذا كان المجتمع قد احتفل مرارًا بيوم الاستقلال، فإن السؤال اليوم ليس عمّا تحقّق في المؤشرات، بل عمّا تحقّق في الضمائر. هل أصبحنا أكثر قدرة على قول ما يجب قوله؟ أم أصبحنا أكثر استعدادًا لالتزام الصمت حين يقتضي قول الحقيقة ثمنًا؟ هل ما زال بيننا من يؤمن بأن بناء الوطن يبدأ من الكلمة، لا من الصفقة؟ أم أن ثقافة “المقابل” صارت أقوى من ثقافة “المبدأ”؟

إن الذكرى الخامسة والستين للاستقلال ليست مجرد رقم، بل هي مناسبة لمساءلة الذات. وعندما نقف أمام المرآة، لا يدور السؤال الحقيقي حول الإنجازات، بل حول ما إذا كنا نملك شجاعة مواجهة أمراض المشهد العام: التزييف، التواطؤ، تبادل الأدوار، والقدرة المفرطة للبعض على تبرير كل شيء. إن من يبيع رأيه اليوم يساهم في إضعاف الأساسات التي تقوم عليها الدولة، ويترك للأجيال القادمة وطنًا بلا بوصلة، ومشهدًا عامًا بلا مصداقية.

و يبقى سؤال واحد عالقًا: من يملك وجهًا غير قابل للبيع؟ من يستطيع أن يحتفظ بصموده حين تتساقط الوجوه الأخرى؟ من يحافظ على استقلال رأيه في الوقت الذي تتشابك فيه المصالح؟ في مثل هذا الزمن، يصبح هؤلاء هم الاستقلال الحقيقي، أما الآخرون فليسوا سوى ظلالٍ تمرّ وتذوب، مهما علت أصواتهم أو لمع وهج حضورهم.