نخب بلا بوصلة… حين يتحول المثقف إلى مقاتل في معركة بلا فكرة/ محمد ولد عمار

في لحظة تاريخية تتشابك فيها الأزمات المحلية مع التحولات الدولية، كان المنتظر من النخب الثقافية والعلمية والسياسية في موريتانيا أن ترتقي بخطابها إلى مستوى التعقيد الذي يطبع المرحلة، وأن تمارس دورها الطبيعي في الإضاءة والتأطير والاقتراح. غير أن ما نلحظه، في كثير من الأحيان، هو انزلاق متسارع نحو لغة التحامل بدل الإقناع بالحجة، وإلى منطق التجريح الشخصي بدل الموضوعية وتجريد الأفكار من أصحابها. وكأن ساحة النقاش تحولت إلى حلبة صراع، لا إلى فضاء تداول عقلاني حول المصلحة العامة.
لقد كان المثقف، في الوعي الجمعي، ضمير المجتمع ولسانه النقدي، وكان الأكاديمي عنوان الدقة والانضباط المنهجي، وكان السياسي المؤطر صاحب رؤية وبرنامج. أما اليوم، فقد اختلطت الأدوار، وتراجعت الحدود الفاصلة بين الرأي والمزايدة، وبين النقد والتشهير، وبين التحليل والتجييش. وأصبحت كل الأسلحة مباحة في “الحرب” الرمزية الدائرة في الفضاء العمومي: تسريب، وتخوين، وتأويل سيئ النية، واقتطاع مجتز من سياقه، واستدعاء للنوايا بدل مناقشة الوقائع.
إن أخطر ما في هذا التحول أنه لا يمس الأشخاص فحسب، بل يضرب في العمق ثقافة النقاش نفسها. فحين سختزل الخلاف الفكري في تصنيف أخلاقي، ويتحول الاختلاف السياسي إلى خصومة شخصية، تفقد الفكرة قيمتها المستقلة، ويغدو الانتماء هو معيار الحكم، لا قوة البرهان. وهنا تنتصر العصبية على العقل، ويعلو منسوب الانفعال على حساب التحليل.
في السياق الموريتاني، حيث تتداخل البنى التقليدية مع مؤسسات الدولة الحديثة، وحيث ما تزال الديمقراطية في طور الترسخ، تكون مسؤولية النخب مضاعفة. فهي مطالبة بتعزيز الثقة في النقاش العمومي، لا بتوسيعه في اتجاه الشقاق. ومطالبة بإرساء قواعد أخلاقية للحوار، لا بتبرير الانزلاق إلى منطق “كل شيء مباح”. ذلك أن المجتمعات الهشة لا تحتمل ترف العبث باللغة، لأن الكلمة فيها قد تتحول إلى أداة تعبئة سلبية، أو إلى شرارة انقسام طويل الأمد.
أما على المستوى الدولي، فإن التعاطي مع القضايا الكبرى – من التحولات الجيوسياسية في إفريقيا، إلى صعود قوى دولية جديدة، إلى أزمات الأمن والاقتصاد – يقتضي قراءة هادئة ومعمقة، تستحضر المصالح الوطنية وتزن الخيارات بميزان العقل. غير أن بعض الخطابات النخبوية تنجر إلى استنساخ صراعات الآخرين، أو إلى الاصطفاف العاطفي مع هذا المعسكر أو ذاك، دون مساءلة دقيقة لموقع موريتانيا ومصالحها الفعلية. فيتحول التحليل إلى تماهٍ، والموقف إلى صدى.
إن النقد حق، بل هو واجب. لكن النقد شيء، والتجريح شيء آخر. والصرامة في الدفاع عن فكرة لا تعني بالضرورة إلغاء الآخر أو التشكيك في وطنيته أو كفاءته. بل إن قوة الفكرة تقاس بقدرتها على الصمود أمام النقاش، لا بقدرة صاحبها على إسكات المخالفين أو تحشيد الأنصار.
إن ما تحتاجه موريتانيا اليوم ليس مزيدا من الأصوات المرتفعة، بل مزيدا من العقول المتبصرة. ليست مزيدا من التصنيفات الجاهزة، بل مزيدا من الأسئلة الصعبة. وليست مزيدا من المعارك الهامشية، بل نقاشا جادا حول أولويات التنمية، وإصلاح التعليم، وتعزيز دولة القانون، وتحصين الوحدة الوطنية.
فإذا كانت النخب هي التي تؤسس لثقافة المجتمع، فإن تدهور لغة النخبة يعني، بالضرورة، تدهورا في مستوى النقاش العام. أما إذا استعادت هذه النخب وعيها بدورها التاريخي، وأعادت الاعتبار لقيمة الحجة، واحترمت أخلاقيات الاختلاف، فإنها تكون قد أسهمت في بناء فضاء عمومي أكثر نضجا، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات المحلية والدولية بعقل بارد وإرادة جامعة.
إن المعركة الحقيقية ليست بين أشخاص، بل بين منهجين: منهج يؤمن بأن الحقيقة تبنى بالحوار والتراكم، ومنهج يعتقد أن الغلبة للصوت الأعلى. وأي طريق تختاره النخب، هو في النهاية الطريق الذي سيسلكه المجتمع بأسره.