حين تتوه الطبقة السياسية، لا تضيع وحدها، بل نفقد معها البوصلة العامة، وتربك المعنى، وتترك المواطن معلقا بين وعود لا تصل، وخطابات لا تترجم، وممارسات تناقض ما يقال أكثر مما تكمله. في هذا التيه الجماعي، لم تعد السياسة فعلا عاما يدار بمنطق المسؤولية، بل خطابا مستهلكا يعاد تدويره كل موسم، بلا أثر، بلا محاسبة، وبلا خجل.
توسعت الهوة بين المواطن والطبقة السياسية لا لأن الناس عزفت عن الشأن العام، بل لأن الشأن العام عزل عن الناس. صارت السياسة تمارس في غرف مغلقة، بلغة لا يفهمها إلا أهلها، وبحسابات لا تراعي إلا موازين النفوذ. المواطن يُستدعى عند الحاجة إلى الرقم، إلى الصوت، إلى الصورة، ثم يعاد إلى الهامش فور انتهاء الدور. هكذا تحول الحق في المشاركة إلى طقس شكلي، وتحولت الثقة إلى عملة نادرة، لا تمنح إلا لمن لا يطلبها.
من نصدق؟ سؤال لم يعد بريئا، ولا عابرا. نصدق من يتحدث باسم الإصلاح وهو يعيد إنتاج نفس الوجوه؟ أم من يرفع شعار القطيعة وهو يفاوض سرا على نصيبه من الغنيمة؟ نصدّق من يَعِد بالعدالة وهو أول من يلتف عليها؟ أم من يتغنى بالشفافية وهو أكثر الناس حرصًا على الظل؟ حين تتشابه الأقنعة وتختلف الشعارات، يصبح الشكّ موقفا عقلانيا، لا نزوة شعبوية.
الفعل في واد والكلام في واد آخر. ترفع الخطب عن محاربة الفساد، بينما تكافأ الرداءة. تعلن الخطط الكبرى، لكن الواقع لا يرى سوى الارتجال. تبشر الجماهير بالإصلاح، ثم يطالبون بالصبر كلما فشل الإصلاح. صارت الكلمات أرخص من أن تحاسب، وصار الفعل نادرًا لدرجة أنه يُحتفى به كاستثناء، لا كقاعدة.
هذا الانفصام بين القول والممارسة هو أخطر ما أصاب السياسة؛ لأنه لا يُنتج فقط خيبة، بل ينتج لامبالاة. وحين يفقد المواطن إيمانه بجدوى المشاركة، لا يعود الصمت حيادا، بل يتحول إلى حكم قاسٍ على الجميع. عندها لا تعود المشكلة في ضعف البرامج، بل في فقدان المصداقية، ولا في غياب الكفاءات، بل في غياب الإرادة الأخلاقية.
ضياع الطبقة السياسية ليس قدرًا محتومًا، لكنه نتيجة مسار طويل من التساهل مع التناقض، وتبرير الفشل، وشيطنة النقد. استعادة الثقة لا تبدأ بخطاب جديد، بل بسلوك جديد؛ لا تبدأ بمؤتمر، بل بمثال؛ لا تبدأ بوعد، بل بالفعل الذي يسبق الكلام ويصدّقه. دون ذلك، ستبقى السياسة تدور في فراغها، وسيبقى المواطن يكرر السؤال ذاته، بصوت أخفت كل مرة: من نصدق؟

