في ختام عام 2025م، تتبدّى موريتانيا أمام حصيلة وطنية يمكن قراءتها خارج منطق الدعاية أو التهويل، بوصفها ثمرة لمسار إصلاحي هادئ اختار التدرّج والواقعية منهجًا، وجعل من ترسيخ الدولة والمؤسسات أولوية على حساب المعالجات الظرفية. وقد مثّل هذا العام مرحلة متقدمة في مشروع البناء الوطني الذي يقوده فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، برؤية سياسية واعية تقوم على تثبيت الاستقرار كشرط سابق للتنمية، وربط العدالة الاجتماعية بالنجاعة الاقتصادية، واعتماد الحوكمة الرشيدة مدخلًا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
سياسيًا، مثّل عام 2025 محطة نوعية في تكريس مناخ وطني يتسم بالتهدئة وضبط الإيقاع السياسي، حيث أُعطيت الأولوية لاستقرار المؤسسات، واحترام التعددية، وتهيئة الظروف لحوار شامل بين مختلف الفاعلين، وقد أسهم هذا النهج في تحصين المسار الديمقراطي، وتراجع منسوب التوتر والاستقطاب، وترسيخ صورة الدولة بوصفها إطارًا جامعًا وضامنًا للتوازن، لا طرفًا في الصراع السياسي، ما عزّز اللحمة الوطنية ورفع منسوب الثقة في الأداء الحكومي.
أمنيًا، واصلت موريتانيا ترسيخ نموذجها كواحة استقرار في محيط إقليمي مضطرب، عبر مقاربة متوازنة تجمع بين اليقظة الاستباقية واحترام دولة القانون. وقد مكّن هذا الخيار من تعزيز مناعة البلاد في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، وترسيخ مكانتها كشريك موثوق في الجهود الإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، دون التفريط في المكتسبات الحقوقية والمؤسسية.
اقتصاديًا، مثّل عام 2025 مرحلة ترسيخ للاختيارات الماكرو-اقتصادية التي اعتمدتها الدولة خلال السنوات الماضية، حيث اتجهت السياسات العمومية نحو تعزيز الاستقرار المالي، وتحسين كفاءة تخصيص الموارد، وتقليص الهشاشة البنيوية للاقتصاد الوطني. وقد تواصل العمل على تنويع القاعدة الإنتاجية عبر تثمين القطاعات ذات القيمة المضافة، ولا سيما الصيد البحري، والزراعة، والمعادن، والطاقة، بما يحدّ من الارتهان لتقلبات الأسواق الخارجية. وفي موازاة ذلك، أُحرز تقدم ملموس في تحسين مناخ الأعمال، وتعزيز جاذبية الاستثمار، وتوسيع البنية التحتية الاقتصادية، خاصة في مجال الطاقة، بما يدعم القدرة التنافسية ويؤسس لانتقال طاقوي تدريجي. وقد حافظت المؤشرات الكلية على توازنها، بفضل سياسة مالية حذرة وإدارة نقدية منضبطة، مكّنت من احتواء الضغوط التضخمية، وضمان استدامة المالية العمومية، في سياق دولي اتسم بتباطؤ النمو واشتداد التقلبات العالمية.
اجتماعيًا، تعمّق البعد الاجتماعي في السياسات العمومية، عبر توسيع شبكات الحماية الاجتماعية، واستمرار البرامج الموجهة للفئات الهشة، وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والمياه. وتميّزت المقاربة الاجتماعية بالحرص على ربط الدعم بالإنتاج والتشغيل، بما يعزّز الكرامة ويحدّ من الهشاشة البنيوية، ويجعل من الإنسان محور السياسات العمومية.
إداريًا وحوكميًا، تواصل مسار الإصلاح الإداري بثبات، من خلال تبسيط الإجراءات، وتعزيز الرقمنة، وتحسين أداء المرافق العمومية، وترسيخ ثقافة الشفافية والمساءلة. وقد انعكس ذلك في رفع فعالية العمل الحكومي، وتحسين جودة الخدمة العمومية، وتعزيز ثقة المواطن في الإدارة.
أما دبلوماسيًا، فقد واصلت موريتانيا تعزيز حضورها المتوازن والفاعل، القائم على احترام السيادة، والدفاع عن المصالح الوطنية، والمساهمة الإيجابية في قضايا السلم والتنمية. وقد مكّن هذا النهج من توسيع الشراكات الاستراتيجية، وجذب الدعم للمشاريع التنموية، وتعزيز مكانة البلاد إقليميًا ودوليًا.
وهكذا فإن عام 2025م كان محطة سياسية مفصلية في مسار بناء الدولة في موريتانيا، حيث جرى تثبيت قواعد الاستقرار، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، وإدارة التوازنات الوطنية بمنطق الدولة الجامعة بعيدا عن منطق الاستقطاب، وهي حصيلة تعكس انتقالًا واعيًا لمنطق إدارة التحوّلات، وتؤسس لاستقرار طويل الأمد يجعل من التنمية خيارًا، ومن الدولة إطارًا ضامنًا للجميع، في أفق وطني يُبنى بثبات ومسؤولية.

