ليس الحوار السياسي في موريتانيا حدثا عابرا يدرج في أجندة السلطة أو ورقة ترفع عند اشتداد الضغط، بل هو لحظة امتحان وطني، يُقاس فيها صدق النوايا بقدر ما تكشف فيها هشاشة الحسابات. وحين يُعلن عن حوارٍ مرتقب، فإن السؤال الأسبق لا يكون: متى؟ ولا من يشارك؟ بل: بأي ضوابط يدار؟ وبأي روح يخاض؟
الحوار، إن لم يولد من رحم القلق على الوطن، يبقى مجرد طقس بروتوكولي، تتبادل فيه الكلمات بينما تتوارى الحقيقة خلف المجاملات. فالنوايا هي الروح الأولى لأي حوار؛ إن صلحت، صلح الجسد، وإن فسدت، لم تجدِ كثرة المتحاورين ولا فخامة القاعات. نية تبحث عن إنقاذ المسار، لا عن كسب الوقت. نية ترى في الاختلاف ثراء لا تهديدا، وفي النقد ضرورة لا خصومة.
أما الفرقاء، فهم مرآة الحوار. سلطة تحمل عبء القرار ومسؤولية التاريخ، ومعارضة يفترض أن تكون ضمير الشارع لا صدى الغضب وحده، وقوى اجتماعية ومدنية طالها التهميش حتى كادت تفقد صوتها. الحوار الحقيقي لا يُقصي أحدا بدعوى الوزن، ولا يستحضر فيه البعض للزينة السياسية. فالأوطان لا تبنى بنصف صوت، ولا تداوى بجزء من الحقيقة.
والأهداف… هنا تختبر الجدية. هل الهدف إعادة ترتيب المشهد السياسي بما يضمن الاستقرار والعدالة؟ أم مجرد امتصاص لحظة احتقان؟ هل نبحث عن قواعد لعب واضحة، عن دولة مؤسسات، عن ثقة مفقودة بين الحاكم والمحكوم؟ أم نكتفي ببيانات ختامية منمقة، سرعان ما يطويها النسيان؟ الحوار الذي لا يُفضي إلى إصلاحات ملموسة، يضيف خيبة جديدة إلى سجل الخيبات.
أما النتائج، فهي الميزان الأخير. ليست النتائج ما يُكتب في المحاضر، بل ما يشعر به المواطن بعد انفضاض الجلسات: هل تغير شيء في حياته؟ هل شعر أن صوته صار مسموعا، وأن كرامته باتت في صلب القرار؟ إن لم تترجم مخرجات الحوار إلى سياسات عادلة، وقوانين منصفة، وممارسات رشيدة، فإنها تظل حبرًا باردا على ورق ساخن.
وتبقى الوسائل والضمانات حجر الزاوية. حوار بلا ضمانات، كعهد بلا شهود. من يضمن تنفيذ ما يتفق عليه؟ من يحمي الحوار من التحول إلى مسرح؟ استقلالية الإشراف، شفافية الأجندة، وضوح المرجعيات، والتزام زمني معلن… كلها ليست تفاصيل تقنية، بل صمامات أمان تمنح الحوار مصداقيته. فالخوف الأكبر ليس في فشل الحوار، بل في نجاح شكلي يعمق الإحباط.
في النهاية، الحوار ليس ترفا سياسيا، بل حاجة أخلاقية ووطنية. هو لحظة صدق مع الذات قبل أن يكون مواجهة مع الآخر. فإن دخلناه بعقل مفتوح وقلب مثقل بحب هذا الوطن، ربما ننجح في تذويب الجليد المتراكم بين الدولة ومجتمعها. أما إن دخلوه بأجندات ضيقة، فسيخرج الوطن مرة أخرى خاسرا… وحينها لن ينفع الندم، لأن الأوطان لا تحتمل كثرة التجارب الفاشلة.
فالحوار، إن لم يكن جسرا للثقة، صار عبئا على الذاكرة… وبأي ضوابط نريده، نحدد مصيره ومصيرنا معه.

