ضاعت القيم حين فقدت الكلمات وزنها، وحين صار الكلام يقال لا ليفهَم بل ليستهلك، لا ليهدي بل ليملأ الفراغ. لم يعد للقاعدة معنى، ولا للضابط سلطان، فاستوى المنبر والسوق، واختلط الرأي بالصراخ، وغابت المسافة الضرورية بين القول والمسؤولية. في هذا المشهد المرتبك، لا أحد بريئا تماما: المثقف، والمسؤول، والسياسي، والمواطن… كلّهم أسهموا بدرجات متفاوتة في هذا الانحدار الهادئ الذي ينهش عقل المتلقي قبل وجدانه.
المثقف، الذي كان يُفترض أن يكون ضمير المجتمع وبوصلته النقدية، صار في كثير من الأحيان أسير اللحظة، يتكلم بلا سياق، ويحلل بلا منهج، ويقفز إلى الاستنتاج قبل أن يستكمل السؤال. بعضه تخلى عن وظيفة التنوير لصالح وظيفة الظهور، فغدا خطابه استعراضيا، يغازل الجمهور بدل أن يوقظه. والأخطر من ذلك أن مواقفه لم تعد ثمرة مسار فكري متماسك، بل صارت قابلة للتبدّل السريع كلما تغيّرت الرياح. لا مراجعة معلنة، ولا تبرير معرفي، ولا اعتراف بالتحول؛ فقط انتقال صامت من ضفة إلى أخرى، وكأن الأفكار معاطف موسمية تبدّل بحسب الطقس لا بحسب القناعة.
أما المسؤول، فمشكلته أعمق وأخطر، لأنه يتكلم من موقع السلطة لا من موقع الرأي. ومع ذلك، نراه يغير خطابه ومواقفه بتغير موازين القوة داخل الإدارة أو خارجها. ما كان “خيارًا استراتيجيا” بالأمس يصبح اليوم “خطأ مرحليا”، لا لأن المعطيات تغيرت بوضوح، بل لأن المصلحة اقتضت إعادة التموضع. هذا التقلب غير المفسر لا يربك السياسات فقط، بل يهدم الثقة، ويجعل المواطن يشعر أن الحقيقة الرسمية ليست سوى نسخة مؤقتة قابلة للتعديل في أي لحظة.
والسياسي هو النموذج الأوضح لهذا السلوك النفعي. الاصطفاف عنده ليس تعبيرا عن برنامج أو رؤية، بل استثمار مؤقت في موقع يدر مكاسب أكبر. ينتقل من معسكر إلى آخر بلا حرج، ويستعير لغة الخصوم حين تفرض الضرورة، ثم يتخلى عنها حين تنتهي الحاجة. لا مشكلة في التحول في حد ذاته، فالمراجعة فضيلة، لكن المشكلة في غياب أي مسوغ موضوعي، وفي تقديم الانعطاف على أنه ثبات، والتناقض على أنه مرونة. بهذا السلوك، يفرغ السياسة من معناها، ويحولها إلى لعبة مواقع لا معركة أفكار.
حتى المواطن، الذي يفترض فيه أن يكون ميزان المحاسبة، لم يسلم من هذا المنطق. فهو بدوره يغير مواقفه وولاءاته تبعا للمصلحة الآنية، أو للانفعال العابر، أو لما يعتقد أنه أقرب إلى الغلبة. لا يصطف بناء على قناعة راسخة أو قراءة نقدية، بل وفق ما يراه رابحا في اللحظة. وحين يفعل ذلك، يصبح جزءا من المشكلة لا ضحية لها، لأنه يساهم في تطبيع الانتهازية بوصفها سلوكا عاديا لا يستوجب السؤال.
المأزق الحقيقي ليس في تغيّر المواقف، فالتاريخ الفكري والسياسي هو تاريخ تحولات. المأزق في أن هذا التغير لم يعد محكوما بمنهج، ولا مؤسسا على وقائع، ولا مصحوبا بشرح يحترم عقل المتلقي. صار التبدل فعل مصلحة خالصة، عاريا من أي بعد أخلاقي أو معرفي. وحين تتساوى القناعات مع المنافع، وتختزل المبادئ في أوراق تفاوض، تفقد الكلمة صدقيتها، ويفقد الاصطفاف معناه.
استعادة القيم لا تكون بتجميد المواقف، بل بإعادة الاعتبار لمنطق التحوّل نفسه: أن يكون مبررا، ومعلنا، وقابلا للنقاش. أن يدرك المثقف أن تغير رأيه مسؤولية معرفية، وأن يفهم المسؤول أن تبديل السياسات يتطلب تفسيراصريحا، وأن يعترف السياسي بأن الاصطفاف بلا رؤية خيانة للثقة العامة، وأن يعي المواطن أن صوته وموقفه ليسا سلعة للمساومة. عندها فقط، يمكن للكلمة أن تستعيد وزنها، وللعقل أن يستعيد مكانته، وللقيم أن تعود مرجعية لا زينة خطابية في زمن الضجيج.

